تقارير

غابت مصر عن اتفاق مكة.. فهل كان بنيان المنطقة يفقد عموده؟

من آلية التشاور الرباعية ومنطق الدفاع الجماعي إلى أمن البحر الأحمر.. كيف قادت سلاسل التحركات إلى مائدة العلمين؟

الأكيدة – عمار عوض

بقدر ما كانت صور قادة السعودية وتركيا وباكستان وهم يوقعون في مكة اتفاقًا للدفاع المشترك تحمل من دلالات القوة ما يكفي لإشعال الخيال، كان في الصورة فراغ يصعب تجاهله.

مقعد رابع لم يكن هناك.

مصر.

الدولة التي لم تكن بعيدة عن الطريق إلى مكة، بل كانت تسير فيه مع الدول الثلاث منذ أشهر، والتي اجتمع وزراؤها مع نظرائهم السعودي والتركي والباكستاني في آلية تشاور رباعية، لم تدخل الغرفة التي دخلها الثلاثة لتوقيع الاتفاق.

وفي لحظة كهذه، لا يحتاج الصحافي إلى أن يخبر القارئ بما ينبغي أن يشعر به.

يكفي أن يرى الصورة.

ثلاث دول توقع اتفاقًا يقوم على مبدأ أن الهجوم المسلح على إحداها يُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا.

والدولة الرابعة، التي كانت حاضرة في مسار التشاور، ليست هناك.

كان السؤال يطل من الصورة نفسها:

هل فقد البنيان أحد أعمدته قبل أن يكتمل؟

لم يكن القلق نابعًا من أن مصر دولة عادية في معادلة الشرق الأوسط.

القاهرة واحدة من أعمدة القوة التاريخية في المنطقة، بثقلها العسكري والجغرافي، وبموقعها عند ملتقى الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

ولم يكن الأمر متعلقًا بمصر وحدها.

فالمنطقة التي تنظر إلى الهجمات المتبادلة، وأمن الخليج والبحر الأحمر، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، واحتمال اتساع رقعة المواجهة، كانت تنظر إلى اتفاق مكة باعتباره محاولة لبناء طبقة أمنية جديدة.

لكن ماذا يحدث للسقف إذا غاب أحد أعمدته؟

والأكثر إثارة أن مصر لم تظهر فجأة في هذا المشهد ثم تختفي.

كانت قد جلست مع السعودية وتركيا وباكستان قبل ذلك.

كانت على الطريق.

كان القطار يتحرك.

وعندما وصل قطار الحجاز إلى محطته، اكتشف الناس أن القاهرة لم تدخل الغرفة.

في الساعات الأولى لم تكن الإجابة واضحة.

لا إعلان مصري يفسر الغياب.

لا إعلان سعودي يتحدث عن خلاف.

لا إعلان تركي يقول إن القاهرة استُبعدت.

كان هناك فقط توقيع ثلاثي وغياب مصري.

وهذا النوع من الفراغ هو الذي يجعل الخيال السياسي يسبق الوقائع.

هل انتهى ما بدأته الدول الأربع؟

هل اختارت مصر البقاء خارج الصيغة؟

هل كان هناك خلاف لم يظهر إلى العلن؟

أم أن اتفاق مكة نفسه كان أضيق من أن يحتوي مصر؟

كان علينا أن ننتظر.

والأهم: كان علينا أن نتتبع الحركة.

لأن الإجابة لم تأتِ في بيان واحد.

جاءت على شكل سلاسل من التحركات، ظهرت واحدة بعد الأخرى، حتى قادت في النهاية إلى مائدة عشاء في العلمين.

وهناك، بعد انتقالات متلاحقة بين القاهرة والرياض ومكة، بدأت الصورة تستقيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى