المسلمي البشير الكباشي
بدأ الأمر همساً، ثم أسئلةً تتردد: ماذا يُقال عن الشيخ الزين؟ ثم ما لبث أن تبعتها تسجيلاتٌ
يدرك من أُوتي حظاً من معرفة فنون التلفيق أنها مصنّعة لغرض واحد: الإساءة إلى الرجل.
الشيخ الزين محمد أحمد ليس مجرد قارئ للقرآن؛ إنه رائد مدرسة مميزة في التلاوة، بذلك النغم الكردفاني الشجي الذي يستحوذ على أسماع محبي القرآن، وهم سواد أهل السودان الأعظم.
بدأت قصته مع القرآن في العاشرة من عمره، حتى استحفظه قلبه في الثانية عشرة، ومنذ ذلك الحين لم يتخذ غيره أنيساً.
ولا أتحدث عن الشيخ الزين هنا مدافعاً عنه؛ فهو ليس في حاجة إلى من يدافع عنه، وهو الذي ظل يتلو على عمر طويل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38].
لكن استقصاد الشيخ الزين بهذه الشائعات الشائنة، الممقوتة، المبغضة، ينبغي ألا يُقرأ بوصفه استهدافاً لشخص الرجل وحده، بل في سياقه الأوسع.
فالهدف ليس رجلاً، حتى إن كان في مقام الشيخ الزين؛ وإنما الهدف، في تقديري، هو تدمير المراسي الاجتماعية التي يستند إليها المجتمع، ثم الانقضاض عليه من الداخل.
وما يحدث للشيخ الزين يأتي، بهذا المعنى، في سياق ما يجري للسودان كله.
هناك مفهوم تتقاطع حوله أدبيات متعددة في علم الاجتماع السياسي، والحرب النفسية، والدعاية، وهندسة الصراع، ودراسات تفكك المجتمعات، يمكن التعبير عنه بـ «اغتيال الرموز»؛ أي الاغتيال المعنوي للشخصيات التي تمثل في الوعي الجمعي مصادر للمعنى والثقة والهوية.
ولا يكون المقصود، في هذه الحالة، إيذاء الشخص وحده، وإنما إسقاط القيمة التي يمثلها.
ولهذا تُستهدف عادةً الرموز الدينية والتعليمية والثقافية؛ فالرمز الديني يمثل، في الوعي الجمعي، أحد مصادر المعيار الأخلاقي والقيمي، بينما يمثل المعلم والمفكر أحد مصادر المعرفة والتمييز بين العلم والجهل.
وحين تُدمّر الثقة في هؤلاء، فإن المجتمع لا يفقد أشخاصاً فحسب؛ وإنما تبدأ بعض ممسكاته الاجتماعية في التآكل.
ولا يحدث ذلك بضربة واحدة، وإنما عبر تراكم طويل من التشويه والتسفيه والتسييس والانتقائية، حتى يصل المجتمع إلى لحظة يصبح فيها مستعداً لإعادة تعريف رموزه ومعاييره من جديد.
وما يحدث في السودان اليوم لم يبدأ قبل ساعات أو أيام أو حتى سنوات، وإنما سبقه تراكم من محاولات تشويه الرموز، وتسفيهها، وتحويلها إلى أطراف في الاستقطاب السياسي.
يُحوَّل العالم أو المعلم أو المفكر إلى شخص متهم أخلاقياً، أو تُصوَّر المعرفة الدينية أو الأكاديمية باعتبارها جهلاً أو تخلفاً، أو يُربط الرمز الديني باستقطاب سياسي يفقده قدرته على تمثيل المجتمع كله.
فيصبح كل متدين «كوزاً»، ويصبح كل «كوز» عنواناً للسوء باعتباره خصماً سياسياً، ثم تنتقل التهمة من الشخص إلى التدين نفسه.
وهكذا ينتقل الهجوم، بهدوء، من الرمز إلى الفئة، ومن الفئة إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى القيمة التي تمثلها.
وهنا تكمن خطورة الأمر.
فالمؤسسة الدينية تؤدي وظيفة تتجاوز الأشخاص؛ إنها، في جانب منها، مصدر للمعيار الأخلاقي والقيمي. والمؤسسة التعليمية تؤدي الوظيفة نفسها في مجال المعرفة، إذ تساعد المجتمع على التمييز بين العلم والجهل، والحقيقة والخرافة.
وحين ينهار المعياران معاً، يصبح المجتمع أكثر قابلية لإعادة صياغة مفاهيمه بواسطة الإعلام والمال والقوة المسلحة، بل والقوى الخارجية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: لماذا يُستهدف الشيخ الزين؟
بل: لماذا تُستهدف الرموز التي ما زالت تحظى بثقة قطاعات واسعة من السودانيين؟
و قد يجادل البعض بأن هذا الكلام محاولة لحماية الرموز من النقد.
وهنا ينبغي أن يكون التفريق واضحاً: نحن لا نتحدث عن النقد؛ فالنقد طريق الإصلاح في كل مجتمع راشد، ولا أحد فوق النقد أو المساءلة.
إنما نتحدث عن شيء آخر تماماً: الاغتيال المعنوي؛ أي تحويل النقد من وسيلة للتقويم إلى أداة لإسقاط الثقة، وتحويل الخطأ الفردي إلى تهمة جماعية، وتحويل الرمز من مصدر للمعنى إلى مصدر للريبة والاحتقار.
ويأتي هذا الاغتيال المعنوي في أقبح صوره حين يطال أهل الله وخاصته ، وهم أهل القرآن، الذين ظلوا عبر القرون ، في وجدان السودانيين حراساً للنسيج الأخلاقي والاجتماعي.
ومن عجب أن بعضهم يظن أنه يسيء إلى الشيخ الزين حين يصفه بأنه «نجم الشباب»، وأن الشباب يتعلقون به ويصطفون خلفه في ليالي التهجد والتراويح، كما يتعلق آخرون بنجوم الكرة والغناء والفنون.
والحقيقة أن هذه، إن أريد بها الإساءة، قلادة شرف لا ربقة إساءة .
فأن يجد القرآن طريقه إلى قلوب الشباب، وأن يتجمعوا حول قارئ للقرآن في ليالي التراويح والتهجد، وأن يصبح صوت القرآن جزءاً من وجدان الجيل الذي يمثل مستقبل هذه البلاد ؛ فذلك مما يُحتفى به، لا أن يُسخر منه.
وسيظل الشيخ الزين وإخوانه نجوماً في سماء السودان، يحبرون القرآن تحبيراً، ويكرع شباب السودان من حياضهم عذباً فوق عذب، وطيباً بعد طيب.
أما الذين يحاولون اغتيال الرمز، فعليهم أن يدركوا أن الرمز الحقيقي لا يسقط بسهولة؛ لأن ما يحمله ليس ملكاً له وحده، وإنما هو جزء من ذاكرة المجتمع ووجدانه.
ولهذا، فليس الشيخ الزين هو الهدف.
الهدف هو المعنى الذي يمثله.
والسؤال الأكبر: كم من معنى آخر يجري استهدافه في السودان؟