في الامتداد المُغبَرّ لمطار أم جرس شرقي تشاد، استَرْعَت انتباه منظمة الأمم المتحدة حركةٌ مُنتظمةٌ لرحلات شحن قادمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ لم تكن تلك الرحلات بعثات مُساعدات إنسانية. وبحسب فريق خبراء الأمم المتحدة المعنيّ بالسودان، تَحْمِل تلك الشحنات أسلحة وذخائر وطائرات مُسيَّرة مُخصّصة لقوات الدعم السريع في السودان. وتمثّل هذه السلسلة اللوجستية، بوصفها أحدث الأدلة التي تُشير إلى تحوُّلٍ عميق في جيوسياسية الشرق الأوسط، شرياناً حيوياً حاسماً في الحفاظ على الفاعلية القتالية لهذه القوات شبه العسكرية.
وفي المشهد الاستراتيجي الأوسع، دبَّرت دولة الإمارات العربية المتحدة تحوُّلاً مُتعمَّداً، انتقلت بموجبه من كونها نظاماً ملكياً خليجياً تقليدياً، لتصبح فاعلاً إقليمياً نشِطاً وحازماً، تَعمل عبره على فرضِ قُوَّتها وبسط نفوذِها إلى ما يتجاوز حدودها الجغرافية بكثير.
وبوصفها قوةً صاعدةً ذات نزعة تتَّسِم بالهيمنة، باتت الإمارات تؤدّي دَور الوكيل لمصلحة قوى دولية كبرى، وفي الوقتِ نفسِه تعتمد تكتيكاتٍ هجومية لترسيخ قُوَّتها الخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، غير أنّ سؤال التكلفة النهائية لهذا المسار نادراً ما بدا حاضراً في هذه المعادلة.
عقيدة «إسبرطة الصغيرة»
لفهم صعود الإمارات، لا بدَّ من فهم جيشها؛ فهي قوة تتَّسم بالمرونة والتقدُّم التكنولوجي إلى حدٍّ أكسَبَها لقب «إسبرطة الصغيرة». فعلى مدى عقدين، جمعت الإمارات بين استثماراتٍ ضخمةٍ في اقتناء مُقاتِلات أمريكية متقدّمة من طراز F-16 وF-35، وسعيٍ حثيثٍ إلى تحقيق قدر من الاكتفاء الصناعي الدِّفاعي. وفي عام 2019، دُمِجت 25 شركة دفاع محلية في كيانٍ واحدٍ مملوك للدولة حمل اسم «إيدج»، بهدف تسريع الإنتاج العسكري المحلي.
تُشكّل هذه القوة العسكرية أداة «القوة الصلبة» الأساسية في السياسة الخارجية الإماراتية، إذ تُوفّر القدرة اللازمة للتدخّل الخارجي، وقد أظهرت الإمارات استعداداً ثابتاً لإبراز القوة العسكرية خارج حدودها، مُكتسبةً خبرة عملياتية مُعتبرة عبر سلسلة من الانتشارات الخارجية منذ أوائل التسعينيات. وغالباً ما نُسِّقت هذه التدخّلات بالتنسيق مع شركاء دوليين، بما يعكس طموح أبو ظبي إلى أداء دَور فاعل في قضايا الأمن الإقليمي والدولي.
وفي شهادة لافتة على جودة التدخّل العسكري الإماراتي في ليبيا، يُورد تقرير لمعهد «أميريكان إنتربرايز» ما يلي:
«… خلال الحملة الجوية التي دعمت عمليات خليفة حفتر العسكرية ضدّ منطقة غرب ليبيا في عام 2014، كان فارق الدقّة في الضربات الجويّة المصرية والإماراتية واضحاً: كان الإماراتيون يصيبون أهدافهم عادةً، بينما كان المصريون لا يفعلون ذلك عادةً. كذلك لاحظ آخرون، أنّ كفاءة الطيارين الإماراتيين كانت أعلى مقارنةً بنظرائهم السعوديين، ما حدا بالطائرات الإماراتية إلى التحليق على ارتفاعات منخفضة، لذلك كانت تحقّق معدّلات إصابة أعلى من الطائرات السعودية».
كذلك تُعدُّ الإمارات عضواً محورياً في منظومة «الأمن الإقليمي»، وهي إطار تنسيقي تقوده الولايات المتحدة، ويُيسِّر اجتماعات تخطيط سِرِّية وتدريبات مشتركة مع إسرائيل لمواجهة ما يُسمَّى «التهديدات الإقليمية». وقد شمل هذا التنسيق تدريبات على كشف الأنفاق تحت الأرض وتحييدها، إضافةً إلى التخطيط لإنشاء مركز سيبراني إقليمي مشترك لعمليات الدفاع الإلكتروني.
غير أنّ عدد المواطنين الإماراتيين لا يتجاوز 1.2 مليون نسمة من أصل نحو 9.9 مليون مُقيم. ولإظهار القوة مع تقليل الخسائر البشرية الداخلية، لجأت الدولة إلى وسائل أكثر إثارةً للجدل، أبرزها استخدام قوات مساعدة أجنبية ومرتزقة، ويُعدُّ نشر مرتزقة كولومبيين في اليمن والسودان مثالاً موثقاً على هذه الممارسة، بما يُوفِّر قدراً من الإنكار المقبول.
ومع ذلك، لا تُمثل القوة العسكرية سوى ركيزة واحدة في مشروع الهيمنة هذا، إذ تُوظِّف الإمارات بمهارة ثروتها المالية الضَّخمة لبناء عمق استراتيجي وخلق تبعيات اقتصادية. فمن خلال شركتي الموانئ «دي بي وورلد» و«مجموعة موانئ أبو ظبي»، المدعومتين من الدولة، انتهجت الإمارات استراتيجية منهجية شبيهة بـ«عقد اللآلئ» للسيطرة على الممرّات البحرية الحيوية. فمن ميناء لواندا في أنغولا إلى العين السخنة في مصر، رسَّخت الإمارات موقعها بوصفها لاعباً مهيمناً في لوجستيات التجارة الأفريقية.
وفي تنزانيا، حصلت «دي بي وورلد» في أكتوبر 2023 على امتياز تشغيل ميناء دار السلام لمدة 30 عاماً، مدعوماً باستثمار مخطط له يقارب مليار دولار أمريكي. ولا ينبغي قراءة هذه الاتفاقيات طويلة الأمد من خلال واجهتها المُحايدة كتسهيلات للتجارة الإقليمية فحسب، إذ يشكِّل الوجود الإماراتي في تنزانيا مرساة بحرية لمشاريع إمبراطورية جارية ومستقبلية. وبوصفها دولة صحراوية تستورد أكثر من 90% من غذائها، تستخدم الإمارات هذه الموانئ لضمان تدفُّق مستمر للموارد الرخيصة. ومن خلال تملُّكِها نحو 960 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في الخارج، وسيطرتها على الممرّات اللوجستية التي تربطها، تُحوِّلُ الإمارات البنية التحتية المدنية إلى أداة دائمة للهيمنة.
وقد أثار هذا النموذج من التَّوسُّع مقارنات مع ذروة الإمبريالية الأوروبية. إذ نجد أن أندرياس كريغ، المحاضر الأول في كلية كينغز لندن، يشير إلى أنّ الإمارات تعتمد مقاربة استعمارية جديدة تقوم على سياسة «فرِّق تسُد»، على غرار الأساليب البريطانية.
تنبني هذه الاستراتيجية على الاستثمار في جماعات محلية تعاني توتراً مع حكوماتها المركزية – وغالباً ما تحمل سرديات انفصالية – وتحويلها إلى موطئ قدم استراتيجي. ويتجلَّى ذلك في دعم الإمارات لإقليم أرض الصومال «صوماليلاند» الانفصالي عبر ميناء بربرة، وفي مساندتها لمشاريع انفصالية في جنوب اليمن وليبيا والسودان.
يُتيح هذا «المحور الانفصالي»، وفق تعبير كريغ، للإمارات إيجاد دوائر نفوذ داخل دول أوسع. غير أنّ الاعتماد على أدوات قوة مثيرة للجدل، مثل المُرتزقة والوكلاء، إلى جانب التجاهل الذي لا تخطئه العين للقانون الدولي، فجَّر أزمة شرعية. ففي اليمن، وثَّقت الأمم المتحدة انتهاكات مُحتمَلة، من بينها تشغيل سجون سرِّية يُمارَس فيها التعذيب. وفي السودان، قرَّرت الحكومة – وإن كان قراراً متأخّراً – إلغاء اتفاق بقيمة 6 مليارات دولار لتطوير ميناء أبو عمامة أواخر عام 2024.
حبيبي، قاطِعْ دُبي!
أثبت التَّوبيخ المؤسَّسي الخجول المُوجَّه إلى الإمارات عجزه. فالتقرير الذي صدَر عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعنيّ بالسودان، واحتجاجات الحكومة السودانية، وإدانات منظّمات حقوق الإنسان، تلاشت جميعها في ضجيج بيروقراطي لم يَلقَ صدىً واسعاً لدى الرأي العام العالمي. لم تكن هذه التقارير هي ما هزَّ الضمير العالمي، بل مدينة الفاشر المُحاصرة، النَّازفة، والمُجوَّعة حتى الموت. أمام هذا المشهد من الدمار المُطلق، تحطَّمت الواجهة المصقولة للإمارات بوصفها قوة عربية «مُستنيرة» و«ودودة» و«متحضِّرة». فقد انهار مشروع بناء هذه الصُّورة، الذي استغرق عقوداً وكلَّف ما كلَّف، لا بفعل الدبلوماسية، إنما بسبب مشهد إبادة جماعية بدا أنها مُموَّلة إماراتياً.
وتحوَّل الرأي العام عَقِب السيطرة الدموية على الفاشر، حيث وثَّق مقاتلو قوات الدعم السريع جرائمهم بأنفسهم، بما في ذلك الإعدام الميداني لأكثر من ألفَي مدني، وحرق ضحايا أحياء داخل منازلهم. هذه الفظائع «المتلفزة» أطلقت موجة غضب عارمة. وانتشر شعار «حبيبي، قاطع دبي» مئات الآلاف من المرات على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان لافتاً كيف نجحت حركة قاعدية غير مركزية في إحداث انقلاب عميق في الصورة، عبر الاستيلاء على العلامة التجارية العالمية للإمارات – «حبيبي، تعال دبي» – وإعادة توظيفها أداةَ إدانة. فتحوّلت «دبي» من مرادف للتَّرف إلى رمزٍ للتَّواطؤ مع جرائم حرب.
وتعرَّضت علامة «إسبرطة الصغيرة» لتآكل شديد، مع تدفُّق الانتقادات من جماهير كرة القدم والمسافرين إلى الحسابات الرسمية لأيقونات مملوكة للإمارات، مثل فريق مانشستر سيتي وطيران الإمارات، للتعبير عن رفضهم لسياسات الدولة. كما أسهمت مواقف ثقافية بارزة، كرفض مغنِّي الراب ماكلمور إحياء حفل في دبي، في إدخال الصراع إلى قلب الثقافة الشعبية. وممّا يدعو للسخرية، أنّ هذه التَّداعيات بدت متوقَّعة إلى حدٍّ بعيد، فمنذ عام 2019، حذَّر بعض المحلِّلين من أنّ الإمارات بالغت في تدخَّلها في اليمن، وألحقت ضرراً طويل الأمد وغير متوقَّع بمكانتها الدولية.
حكاية قوّتين خليجيّتين
يكشف التدخُّل الإقليمي عن توتُّر جوهري في الاستراتيجية الكبرى للإمارات. فبينما وفَّرت عقيدة «إسبرطة الصغيرة» مصداقيةً قسريةً للعمليات الخارجية، فإنّ وسائلها تُنذر بإنتاج حالة عدم استقرار إقليمي قد تقوِّض طموحاتها المستقبلية.
وقد دفع التدخّلُ الإماراتي في اليمن تحالفَها مع السعودية إلى حافة الانهيار، فبعد أن شكَّل البلدان ركيزتين أساسيتين للأمن الإقليمي، تباينت مصالحهما حين دعمت أبو ظبي انفصاليِّي الجنوب، بينما وقفت الرياض إلى جانب الحكومة المعترف بها دولياً. وأدّى هذا الرهان الاستفزازي إلى مواجهة عسكرية مُباشرة.
وفي ديسمبر 2025، استهدفت غارَة جوية سعودية شحنة أسلحة في ميناء المكلا الجنوبي، وبرَّرت الرياض الضربة بأنها تحييد «تهديد وشيك». وكانت التداعيات فورية ومكلّفة، فقد دعمت السعودية مطلباً بخروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، بينما ألغى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اتفاقاً دفاعياً جوهرياً مع الإمارات.
إلى جانب هذا الشرخ الدبلوماسي، يبقى الثمن الإنسانيّ لعقدٍ من الحرب الأهلية مروِّعاً، ومقداره أكثر من 150 ألف قتيل. أما بالنسبة للإمارات، فقد تمثّلت كلفة مشاريعها الانفصالية في انسحاب قسريّ لما تبقَّى من قواتها وتراجُع حادّ في مؤشرات أسواق الخليج. ويشير هذا التراجع إلى حدود عقيدة «إسبرطة الصغيرة» عندما تصطدم بـ«الخطوط الحمراء» للأمن القومي لدى الجار الأقوى.
وسلَّط تقرير حديث لوكالة «رويترز» الضَّوء على تطوُّرٍ مهمّ يعكس في آنٍ واحد النزعة التصعيدية للسياسة الخارجية الإماراتية، وهشاشتها الاستراتيجية الأعمق. ففي 19 يناير، زار الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد الهندَ لتوقيع اتفاقية بقيمة 3 مليارات دولار لتوريد الغاز الطبيعي المُسال، إلى جانب شراكة دفاعية استراتيجية بين البلدين. ويمثل هذا الاتفاق اقتصادي والأمني توسّعاً متقدماً لطموح الإمارات في ممارسة دَور «قوة متوسّطة»، إذ يجعل من الإمارات ثالث أكبر شريك تجاري للهند، ويجعل من الهند أكبر مستورِد للغاز الإماراتي. ووِفق «رويترز» يُعدُّ الاتفاق خطوة تأسيسية نحو هدفٍ مُعلن بمضاعفة حجم التبادل التجاري إلى 200 مليار دولار خلال 6 سنوات. ومن خلال عقد توريد يمتدُّ لعشر سنوات عبر «أدنوك للغاز»، تَدمج الإمارات نفسها في بنية الأمن الطاقي لأحد أكبر أسواق العالم. ويعكس ذلك استراتيجيتها في أفريقيا، حيث تستخدم المراسي البحرية والممرّات اللوجستية للسيطرة على الطُّرق وضمان متطلبات الأمن القومي.
في المقابل، وبينما اعتمدت الإمارات تاريخياً على مظلّة أمنية غربية، تجِدُ نفسها اليوم مُضطرةً إلى تنويع شراكاتها الأمنية للحفاظ على عمقها الاستراتيجي، في ظل التَّوتُّرات الأخيرة مع السعودية. وتوفِّر الشراكة الجديدة مع الهند عامل توازن في منطقة تتنازعها قوى عالمية ضمن نظام دولي جديد تتفكَّك فيه التَّحالفات التقليدية على نحوٍ متسارع. كما يسلِّط الاتفاق الضوء على شرخٍ خطير بين الإمارات والسعودية، إذ يتحدَّى علناً التقارب المتنامي بين السعودية وباكستان، بعد توقيع البلدين اتفاقية دفاع مشترك. ويكشف اصطفافُ الإمارات مع الهند، عن تبايُنٍ عميقٍ في السياسات الإقليمية، لا سيما حيال النزاعات في اليمن والسودان وغزة. ويبدو أن الإمارات باتت تعمل بمِعزلٍ عن حلفائها التقليديين في مجلس التعاون الخليجي، ساعيةً إلى أجندة أحادية. وبهذا الاتفاق، تبني الإمارات فعلياً جسراً عابراً للقارات، قائماً على الطاقة والدفاع، يمدُّ نفوذها إلى مناطق جديدة خارج أفريقيا.
ركوب التِّيتَلْ
يجد هذا المسار من الطموح الاستعماري غير المنضبط صدىً مُرعباً في أسطورة دارفورية عن السلطان كسفروك من قبيلة الداجو؛ إذ يُحكى أن كسفروك كان طاغية أصابه جنون العظمة، فأجبر شعبه لسنوات على نقل جبل، ما تسبّب في موت أعدادٍ لا تُحصى ومعاناة هائلة. وانتهى حُكمه حين خُدِع بمحاولة ركوب تيتل، وهو ظبي برّي شرس. ولإثبات سيطرته المُطلَقة، سمَح بأن يُربَط جسده على ظهر الحيوان بجلدٍ طريّ. ومع جفاف الجلد وانكماشه، أُطلق الحيوان، فهرَبَ هائجاً عبر الغابات والجِبال والكهوف والأنهار، مُمزِّقاً السلطان إرباً.
وقد تكون الإمارات، في سعيها المحموم لربط مصيرها بقوى المليشيات والوُكلاء الإقليميين غير القابلين للتنبؤ، تُكرِّر خطأ السلطان. ففي محاولتها إخضاع المَوارد والأصول الأفريقية، تُخاطر بأن تُسحَب نحو الهلاك على أيدي القوى «العُضوية» ذاتها التي تسعى إلى تسخيرها. وبينما تولّد عقيدة «إسبرطة الصغيرة» أعداء أكثر من الحُلفاء، قد تكتشف الإمارات أنّ استراتيجيةً كبرى قائمةً على سياسة «فرِّق تسُد» ليست سوى جبل لا يمكن تحريكه، وظبي لا يمكن ترويضه.