

عزف منفرد
في إجابته عن سؤال حول انصراف الفنانين الشباب عن نهج الجاز واتجاههم إلى الأغنية الوترية، عزا أحد المخضرمين الأمر إلى غلاء أسعار آلات الجاز. وهي إجابة تفتح، من زاوية أخرى، باباً للتساؤل حول مستقبل أغنية الرق والحقيبة، التي لا تحتاج في أبسط تكويناتها إلى أكثر من الرق وخمسة من الشيالين.
الرعيل الأول، من جيل ميرغني المأمون وزملائه، لم يكتفِ بتثبيت هذا اللون الغنائي، بل اجتهد أيضاً في إضفاء طابع قومي على مؤديه، من خلال الزي القومي، بما في ذلك العباية. غير أن الصور المتداولة من تلك الفترة تظهر الفنانين، في كثير من الأحيان، بالزي الإفرنجي، بعيداً، فيما يبدو، عن الصورة التي استقرت لاحقاً لمؤدي الحقيبة على المسرح.
والحاجة إلى التطوير دفعت بعض الفنانين إلى إدخال آلات موسيقية، والإيقاعية منها على وجه الخصوص، كما ظهرت تسمية «الأغنية الشعبية» بديلاً عن «أغنية الحقيبة»، في محاولة للتعامل مع تحولات الذائقة الموسيقية والزمن.
لكن التطور الأكثر لفتاً في السنوات الأخيرة يتمثل في دخول الفنانة ميادة قمر الدين إلى هذا المجال، وهي تتقدم مجموعة من الشيالين وتحمل الرق، في تجربة نسائية لافتة داخل تقليد ظل، لزمن طويل، مرتبطاً بصورة مختلفة لمؤدي هذا اللون.
غير أن التجربة ما تزال في بداياتها، ومن المبكر إصدار حكم نهائي عليها، أو تحديد مقدار الإضافة التي أحدثتها لأغنية الرق، وقدرتها على منحها الاستمرارية ومواكبة التطور الزمني. لذلك يبدو الحديث عن «عصر ميادة قمر الدين» سابقاً لأوانه؛ فالزمن، في هذه التجربة، ما يزال طفلاً، وما تزال أمامها مسافة طويلة لتترك بصمتها في غناء الحقيبة.
وأغنية الرق، بما تتميز به من بساطة في اللحن والكلمة والأداء، ستظل مرشحة لاجتذاب أصوات شابة جديدة، تبحث عن مساحة للتجريب والتطوير.
ويُحكى من زمن البدايات أن أحد الفنانين تعهد بالتوقف عن الغناء في الإذاعة إذا دخلتها فنانة بعينها تنافسه. دخلت الفنانة الإذاعة، وأنجز الرجل وعده. وكان اعتماد صوت الفنان في الإذاعة آنذاك حدثاً استثنائياً، أشبه بميلاد فني جديد، خصوصاً أن الإذاعة نفسها كانت في بداياتها.
السؤال الآن: ماذا كان سيكون رد فعل ذلك الفنان لو امتد به الزمن، ورأى أن التطور الاجتماعي والثقافي الذي طرأ على البلاد يهيئ فنانة أخرى لتكون خليفته، ولكن هذه المرة في ساحة غناء الحقيبة والرق؟