رأي

عبدالرحمن أبو سِتَة المريود .. أنا قلبي عِشِقَّا!!

إبراهيم احمد الحسن
(1)
رَسَختْ في الوجدان عميقاً لان الذي وراءها رجل نسيج وحده ، وكان لابُد للمجتمع أن يستجيب لانه أراد الحياة ومن صنع له سبيل للحياة ؟ مرصوف بالعطاء ! وموصوف بالتفانى ! غير عبدالرحمن أبو سِتَة.
وعندما مجدت أُغنية ( جِدَيّْ الحُورْ ) حياة اجتماعية في أو حول مدرسة أب سِتَة ، ب غزل عذري شفيف جاء عفو الخاطر وغناها الفنان الدومة ما كان ينطلق ذياك الفعل من لا شئ ، كلمات الأُغنية على بساطتها إلا انها عميقة في معناهاوتعبر عن عاطفة جياشة . وهناك في مدرسة أب سِتَة مضى الفنان يبدع الغناء ، ومَنْ مِنْ (عيال الأُبيض ) لا يعرف مدرسة أب سِتَة .
(2)
ومَنْ مِنَا لا يعرف أبو سِتَة نفسه ذلك المحسن حيا قبره الغمام عبدالرحمن أبو سِتَة ، وإسمه لمن لا يعرف عبد الرحمن محمد أحمد أبو سِتَة ولد في العام 1933 بمدينة الابيض وهو الأخ الأكبر قيمة ومقاماً لإخوته ، ووالدته فاطمة عبد الرحمن شيبون .
(3)
وعبدالرحمن أب سِتَة هو صاحب الورشة الشهيرة بالمنطقة الصناعية الأُبيض والمتخصصة في صناعة وتركيب (صناديق ) اللواري والبصات والشاحنات وبرع في ذلك وطبقت شهرته الآفاق في عموم نواحي السودان . وجابت تلكم اللواري السودان تطوف أطرافه تعبر مدنه وقراه وبواديه وهي تحمل ختم بارز يحكى انه صُنع في السودان ، صُنع في الأبيض صُنع في ورشة أب سِتَة . وكل وادي حلّ به لوري وغنى له الراحل عبد القادر سالم كان لأبي سِتَة فيه بصمة تقول انه (صُنع في الأُبيض ).وعندما يجئ الخريف (حيث اللواري تقيف) . يقف لوري عليه نقش يقول انه تم صنع (صندوقه في ورشة أب سِتَة في الاببض ) .
(4)
وعندما تعلق شاعر الأُغنية على لسان فتى متيم بطالبة في مدرسة أب سِتَة وانشد يقول :- ( لقيت لى طالبة انا قلبى عِشِقَّا / إتلموا كباري قالوا لى سيب قِصّْتَا / البت دى جميلة وما بسيب قِصّْتَا / بسكن ف حلتهم كفاية ل نَظّْرَتَا ) وللكبار في كردفان – كما في معظم مناخي السودان – عزوة وتقدير وقيمة ومقام وإحترام فلا غرو أن يستنجد بهم الفنان وقد تبدى ذلك جلياً في أغاني الراحل صديق عباس ( أتلموا يا كباري / وشاوروا الرمالي / يشوف الخيرة مالي / أتحيرت أفكاري في أجمل الحواري ) وذلك عندما كان يغني للطير الخداري ( يا طير يا خداري / يا البي علي داري / سلم علي البريدو فوق الحلة جاري ) .
ثم تقف إنصاف فتحي أمام الكبار وتغني : ( ما تقولوا خير يا كباري بلقى مرادي مع المريود /همي الشغل افكاري بلقى مرادي مع المريود / ما تحرموني سعادتي بلقى مرادي مع المريود / غير زولي تب ما حاري بلقى مرادي مع المريود ). والمريود عبدالرحمن ابو ستة كبير قوم ولا منازع بَيْدَ أنه من عروس الرمال الأُبيض .
(5)
يغني المغني وكل على هواه ، ومن كان هواه في مدرسة أب سِتَة فإن مشكلته كبيرة ففي تلكم المدرسة كل طالبة يخيل فيها نظم عبدالله محمد خير ( الذوق والأدب خلى الخلوق ومشالو/ أما جمالو ! الله من الفراديس شالو ). وفراديس أب سِتَة شادها مدرسة وبناها رؤية بتصميم وإرادة فولاذية فل بها الحديد وطوعه رهن بنانه ، ثم مضى بها في الحياة وأهدى للدُنا والإنسانية دروس وعبر وأهدى للأبيض مدرسة أبو سِتَة .
(6)
ثم تتحول الدروس والعبر وارادة الحديد الي مدرسة يغنى لها الفنان ويقول ( اولاد الحلة الكلنا إتلمينا نعبد المولى ذاتى يسخر لينا ) فغاية هؤلاء نظرات بريئة (ممزوجة بخجل ) ودعوة صادقة يعبدون فيها المولى ويسألونه ان ييسر لهم الطريق ويجمعهم مع من أحبوا في بيت الحلال .
(7)
ويظهر التجلي يمشي في خطى الفنان حين يقول ( بشيل الطار ندق النوبة / بشيل السبحة واقيف في باب التوبة ) فقد الهمه ذلك الحُب الجارف ل مدرسة أبو سِتَة حيث قال:- (لقيت لى طالبة انا قلبى عِشِقَّا)، الهمه ان يحمل توبته ومسبحته ونوبته كتلك التي غنى لها محمد المهدي المجذوب في ساحة المولد( فيضربها ضرباً فتئن وترن ثم ترفَضُّ هديراً أو تجن ) .
(8)
وما بين النوبة يأتي إيقاعها من بعيد ومن جر لالوب سبحة في يد عابد متبتل في الجوار . وفي صالون بيته ولدت الفكرة في جلسة صفاء جمعت أب سِتَة مع ثلة من اصدقائه وقرر إنشاء مدرسة في غرب المدينة ، عندما لاحظ ان معظم المدارس التي شادها الخيرون من أبناء الأبيض في الجهة الشرقية منها.
وبالرغم من العوائق الطبيعية في سير الأشياء في السودان وبرغم العوائق المصطنعة بلا سبب من فعل غير ( مسئولين ) في السودان مضى تنفيذ بناء المدرسة على قدم وساق ، وسكب عبدالرحمن أب سِتَة أنهار من عَرَقْ وجُهد ومال إكتسبه من صهر الحديد وتطويعه في المنطقة الصناعية وحوله -وحده- إلي فصول للدراسة والعلم في مدرسة تعلم النشئ علماً يستبين به وقبل العلم أخلاقاً . وعندما إكتمل البناء وبانت أنوار المدرسة تسر الناظرين تتلألأ في غرب المدينة ، سال لعابهم (لأخذ اللقطة ) وتزاحم ( المسئولين ) علي بابها يسألون متى الافتتاح . عندها رفع ابوستة يده قائلاً : حنانيكم !! فهذه مدرسة تم بناؤها من جهد شخصى وعَرَقْ جبين ، ولن يتم إفتتاحها إلا بحضور هؤلاء الغبش في الجوار . أُسقط في يد المسئولين وعادوا من حيث أتوا وطفقوا يبحثون عن وساطات من الأهل والأصدقاء والزملاء لعلهم يثنون الرجل ويحملونه على التراجع من قراره الصلد الحديد . ولكن عبدالرحمن أب سِتَة بقي عند قراره لا يتزحزح ! وتكالبت عليه الوساطات من أحب الناس اليه فإختار القوم حل وسط وهو تجاوز المسئولين المحليين وأن يكون الإفتتاح بواسطة وزير إتحادي . فكان الافتتاح الكبير بواسطة زين العابدين محمد احمد عبدالقادر احد الوزراء المشهورين في حكومة نميري في العام 1979.
(9)
وعندما تتجسد الأهزوجة الاغنية ويصدح بها المغني في حضرة جهد بناء صرح شادته فكرة المعية وجهد جبار وارادة تقهر الحديد وينشد ( لقيت لى طالبة انا قلبى عِشِقَّا ) يسكب الفنان عشقه العذري للمعنى والمبني عندما يتجلى في صوفية عميقة : ( اولاد الحلة الكلنا إتلمينا نعبد المولى ذاتى يسخر لينا ) قبل أن يقرر (بشيل الطار ندق النوبة / بشيل السبحة وأقيف في باب التوبة ) .. يتجاوز الحب مدرسة أب سِتَة ، بكونها وكأئناتها ، بمبناها ومعناها ، بالبشر السمح فيها من علم وتعليم وناس ويمتد اليه ، هناك : يمتد إلى المؤسس عبدالرحمن أب سِتَة .
(10)
يمتد الحب الي المؤسس وسيرته العطرة الي عبدالرحمن محمد أحمد أب سِتَة الذي إمتهن تطويع الحديد ، ثم جعله إرادة قوية تبني مدرسة ، تهزم المستحيل وتزيح العوائق وأسباب الهزيمة وتحول كل ذلك الي نصر مؤزر اسمه ( مدرسة أب سِتَة ) تخلد ذكراه ، وترسل رسالة مفادها أن إرادة الحديد عندما تتنزل على أرض الواقع تنتج مدرسة ! وعندما تلمع الفكرة في عقل نَيِّر يتعامل مع الحديد فإنها تتجسد مدرسة ! وعندما يطوع الله الحديد في أيدي فنانة وقلب رقيق فإن ذلك العقل وذياك القلب يشيد مدرسة ! يقف عند بابها فنان مرهف يغني ( في مدرسة أب سِتَة / لقيت لي طالبة أنا قلبي عِشِقَّا ) .. الرحمة والمغفرة ل عبدالرحمن أب سِتَة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى