صفقة البحر الأحمر..ماذا يكسب السودان وماذا تريد روسيا

تقرير – رحاب عبدالله

رحب خبراء اقتصاد ومراقبون، بالعرض الذي قدمه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، (الجمعة)، على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو على هامش القمة الروسية – الإفريقية الثالثة، بين البرهان وبوتين، والتي شملت منح الجانب الروسي مواقع استراتيجية للاستثمار في مجالات استخراج الذهب والنحاس وغيرها من المعادن،
وإقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، لتستفيد منها موسكو في بناء منشآت حيوية مخصصة لتخزين القمح والوقود، وأكد الخبير الاقتصادي د.خالد التجاني أن هذه فرصة كبيرة للسودان لجهة ان روسيا دولة كبيرة لها موارد ومصانع تجارية والسودان هو بوابة المدخل لافريقيا بالتالي هذه فرصة أن يستثمر السودان في موقعه الجغرافي فإذا استوفى السودان هذه الشروط الموضوعية.
*الحاجة لدراسات معمقة*
ودعا المحلل الاقتصادي د.خالد التجاني، لأخذ هذا الموضوع في سياق أوسع، وشدد في حديثه ل(الاحداث) على ضرورة التفكير قبل الحديث عن العرض المعروض من الرئيس البرهان على روسيا ،في ان السودان حتى الآن بلد له موارد طبيعية ضخمة متعددة كما ان السودان لديه موقع جغرافي مهم حيث يمتلك أكثر من 700 كيلو متر على البحر الأحمر وهو ماعدّه يمنح السودان ميزة استراتيجية مميزة ،خاصة وان السودان تحيط به خمسة دول مغلقة ، مشيرا إلى انه في وقت سابق كانت هنالك مطالبة بأنه لابد ان يكون للسودان استراتيجية تستثمر في الموقع الجغرافي وانه يتحول إلى ميناء للداخل الأفريقي باعتبار السودان بوابة لكثير من الدول الأفريقية ،بيد ان د.خالد التجاني يرى انه واضحا ان هنالك مشكلة في التفكير الاستراتيجي في التعامل مع هذه القضايا ، مشيرا إلى أنه لا يجب أن يتم التعامل معها فقط في إطار الظرفية أو في إطار الصراعات بل يجب أن تكون مسألة استراتيجية مفتوحة للجميع ،بالتالي اعتقد القصة الأساسية الان حتى لا يفهم انه في اطار صراع منطقة البحر الأحمر ،فهي منطقة مهمة تمر بها 20% من التجارة العالمية، وبالتالي تعني وجود أطراف خارجية ،ظهرت الى السطح عندما أغلق موضوع القاعدة البحرية أو النقطة اللوجستية التي كانت مُنحت سابقا إلى روسيا ثم تم التراجع عنها نتيجة لضغوط من دول الجوار وبعض الضغوط الدولية، بالتالي دعا د.خالد التجاني إلى أنه حتى لا يفهم العرض السوداني هو فقط في إطار صراعي يجب أن تُطرح هذه القضية في إطار كلي لان السودان فعلا يحتاج أن يتحول ساحل البحر الأحمر إلى منطقة حرة، وهي مفتوحة للتجارة العالمية وكل من يريد أن يأتي لتحقيق مصالح اقتصادية وتجارية مرحب به، بالضرورة يكون هنالك امتياز لمن يكون لهم اسبقية في القدوم وهذا يتطلب أن يتم العرض على روسيا وغير روسيا وليست حكرا على طرف واحد حتى لاتكون مسار تجذب صراعات سياسية وعسكرية وغيرها .
ونوه د.خالد التجاني أن هذا الأمر جاء من خلال زيارة البرهان إلى المؤتمر الروسي الأفريقي وتم هذا العرض مشيرا أن هذا العرض يتطلب كثير جدا من التحضيرات ليس مسألة انه السودان لديه فقط استعداد ولماقاله البرهان القمح والوقود بل هي أكثر من ذلك بحيث يمكن أن تكون هنالك مناطق صناعية ومناطق تجارية ، وهذا يتطلب من الحكومة السودانية تتعامل مع هذا الموضوع دراسات معمّقة ولا يكون حديث سياسي قيل في ظرف محدد وهو ما يتطلب وجود بيئة قوانين وتشريعية أو بيئة سياسات وبيئة مختلفة تؤدي للنظر بجدية ولا يتم التعامل معه فقط في إطار لحظي ، وطرح د.خالد التجاني سؤالا الى اي مدى الحكومة السودانية جهزت نفسها ليكون هذا العرض جاذب ومحفز للدخول فيه.
وأكد أنه هذه فرصة كبيرة للسودان لجهة ان روسيا دولة كبيرة لها موارد ومصانع تجارية والسودان هو بوابة المدخل لافريقيا بالتالي هذه فرصة أن يستثمر السودان في موقعه الجغرافي فإذا استوفى السودان هذه الشروط الموضوعية.
*المنطقة الحرة أعظم من القاعدة العسكرية*
ويؤكد مدير مركز السلام للدراسات والبحوث الاستراتيجية بجامعة كرري بروفيسور هاشم البدري ، ان ما طرحه البرهان في موسكو ليس بيع ولا مقايضة (قاعدة مقابل قمح)، بل هو تحول من منطق القاعدة العسكرية الى منطق القاعدة الاقتصادية ووصفه بانه أخطر وأذكى مما يتوقعه الاستراتيجيون.
ورأى ان المنطقة الحرة أعظم من القاعدة العسكرية.
منوها ان إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر ،التي طرحها البرهان و يمكن لروسيا استخدامها لإقامة مستودعات لتخزين الوقود والقمح، واضاف البرهان أن لدى السودان وكل افريقيا طلب كبير عليهما ، فضلا عن وجود سكة حديد من بورتسودان الى تشاد يمكن تحويلها الى سلاسل إمداد تشارك فيها روسيا”،
واوضح بروفيسور البدري، أن اعطاء السودان روسيا أرض معفاة من الجمارك والضرائب في بورتسودان/سواكن، لتبني فيها صوامع قمح ومستودعات وقود عملاقة، ومنها توزع للسودان ولكل أفريقيا، مقابل مربعات ذهب ونحاس جاهزة.
ونفى بروفيسور البدري ان يكون هذا مقابل القاعدة البحرية، بل ذكاء من البرهان.
واشار البدري الى ان القاعدة البحرية الروسية التي كانت مطروحة منذ عهد البشير كانت 300 جندي فقط،4 سفن حربية فقط بينها سفن نووية، لمدة 25 سنة قابلة للتجديد 10 سنوات،وظيفتها دعم لوجستي فقط، ورأى ان هذه القاعدة لو تمت لكانت كارثة استراتيجية، واكد ان القاعدة تهديد لأمن السودان لجهة ان البحر الأحمر يمر به 12% من التجارة العالمية عبر باب المندب وقناة السويس. أمريكا لديها قاعدة في جيبوتي، فرنسا، الصين، اليابان، كلهم في جيبوتي. مضيفا ان وجود قاعدة روسية معلنة في بورتسودان يعني تحويل السودان الى ساحة مواجهة مباشرة بين موسكو وواشنطن وتل أبيب، منوها ان السودان اليوم لا يحتمل ردة فعل عقوبات أو ضربات أو حصار بحري جديد، مضيفا ان روسيا نفسها اعترفت أن المشروع “متوقف حاليا بسبب الحرب” حسب سفيرها أندريه تشيرنوفول.
واكد بروفيسور البدري ان ما يحتاجه السودان هو الغذاء والطاقة وليس السلاح فقط، وبرهن على ذلك بالأرقام، مبينا ان استهلاك السودان من القمح: 2.5 الى 2.9 مليون طن سنويا، بينما تراجع الإنتاج المحلي الى 410 ألف طن فقط عام 2026 واردف”يعني ننتج 15% فقط ونستورد أكثر من 80%” مبينا ان فاتورة استيراد القمح بلغت 1.1 مليار دولار في 2019، وستصل الى 1.58 مليار دولار مع الشحن والتأمين لسد العجز الحالي.
اما الوقود فاشار،إلى ان السودان كان يكرر 70% محليا، اليوم 80-90% مستورد، كاشفا انه في تسعة أشهر من 2025 استوردنا وقود بـ 975 مليون دولار، بمعدل 1.3 مليار سنويا وهذا يلتهم كل عائد الذهب الرسمي (1.5 مليار).
مضيفا ان عدد الجوعى: تقريبا 19.5 مليون سوداني يعانون انعدام أمن غذائي حاد، مشيرا الى ان الفكرة الاستراتيجية الكبرى التي لم يفهمها المحللون:
بديل هرمز وباب المندب
هذه هي الضربة القاضية، فالعالم اليوم مرعوب من إغلاق مضيق هرمز (إيران) وباب المندب (الحوثيون) ، وروسيا تريد طريق آمن لتصدير قمحها ووقودها لأفريقيا التي هي سوق 1.4 مليار نسمة.
*ماذا عرض البرهان؟*
ويقول بروفيسور البدري ان من ضمن عرض البرهان ،خط سكة حديد بورتسودان – تشاد (1300 كلم) يمتد الى النيجر ومالي وافريقيا الوسطى، منطقة حرة تخزن فيها روسيا القمح والوقود
– من بورتسودان بالقطار الى عمق افريقيا، بدون المرور بباب المندب أو هرمز
هذا يعني السودان يتحول من دولة هامشية الى مركز لوجستي عالمي، بوابة روسيا وأفريقيا.وبذلك رأى ان التجارة الروسية السودانية سوف تتضاعف مرتين من 2025 وتزداد 25% في عام 2027، وهدفهم أن يكون السودان ضمن أكبر 10 شركاء لروسيا في أفريقيا، بالاضافة الى فتح باب الاستثمار الحقيقي وليس التهريب.
مضيفا ان السودان يملك ثالث أكبر احتياطي ذهب في أفريقيا، ينتج رسميا 100 طن، وما خفي أعظم. البرهان قال: “لدينا مربعات جاهزة للذهب والنحاس سنسلمها لروسيا”. النحاس هو معدن المستقبل للسيارات الكهربائية. بدل أن تأخذه فاغنر تهريب، تأخذه شركات روسية رسمية بعقود عبر وزارة المعادن.
*أهمية القمح والوقود*
من ناحيته اكد المستشار الاقتصادي د.ابوبكر التجاني
اهمية طلب البرهان من روسيا نقطة تجارية على البحر الأحمر لتكون مستودع للسلع ، طلب ممتاز جدا لانه سلعة القمح والوقود اقتصادية وسياسية لأن كل القارة تحتاج للوقود لأنها أساس تحريك الإنتاج وحركة الناس، وسلعة القمح لانه اي نقص فيه في الدول يؤدي إلى اضطرابات سياسية ،
منوها الى ان السودان لديه ساحل طوله 800 كيلو متر على البحر الأحمر، لم يستفيد منه سوى في واردات السودان والمسافرين بين جدة وسواكن، واشار لاهمية الاستفادة منه بصورة اكبر، بعض الدول حاولت تصدر وتورد عن طريق السودان مثل إثيوبيا وجنوب السودان لكنها انخفضت اخيرا واتجهوا لدول أخرى يصدروا ويوردوا عن طريقها ، الطلب في وقته وفي محله ،وروسيا اشترطت أن توفر الأمن والاستقرار لبدء العمل في هذا الامر، بالنسبة لنا الموضوع مهم للسودان لانه يعاني في توفير هذه السلعتين ، عدم وجودها يسبب مشاكل واضطراب سياسي وانخفاض الإنتاج وتراجع الصادر والميزان التجاري بالتالي انخفاض قيمة العملة الوطنية، ويمكن للسودان اخذ القيمة وقود وقمح ويمكن للسودان الاقتراض وتوفرها على ساحل البحر الأحمر يعني سهولة تناولها وتؤكد استمرارية تدفقه،كما ان السودان يستفيد من عبور دولة أفريقية مثل جنوب السودان أفريقيا الوسطى وتشاد والجزء الجنوبي من ليبيا واثيوبيا.
*وجود روسي في التعدين*
ورأى الخبير الاقتصادي د.محمد الناير ، ما تم عرضه في موسكو، مشروع استراتيجي يشكل أهمية كبيرة جدا، أولا السودان هو بوابة أفريقيا. ويمتلك حوالي 750 كيلو متر على ساحل البحر الاحمر، وروسيا لديها إنتاج من النفط يتجاوز العشرة مليون برميل يوميا ويمثل إنتاجها من الحبوب نسبة عالية من الإنتاج العالمي ، مؤكدا ان قيام منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر يشكل استراتيجية مهمة تفيد الاقتصاد السوداني والروسي والافريقي، بمعنى روسيا تقيم منشآت حيوية ومستودعات لتخزين الوقود والقمح، وبالتأكيد هذا يجعل العالم يتفادى تعاقد سلاسل الإمداد الذي يحدث هنا وهناك مثلنا حدث في منطقة الخليج والحرب الأمريكية الإسرائيلية الايرانية التي ادت لإغلاق مضيق هرمز وتعقد سلاسل الإمداد بصورة كبيرة مما أدى لارتفاع اسعار السلع الاستراتيجية بصورة كبيرة، مبينا في حديثه ل(الاحداث) ان وجود مثل هذه المنطقة الاقتصادية الحرة يسهل كثير على أن روسيا تستطيع أن تمد السودان والقارة الأفريقية من هذه المنتجات التي تكون اصلا موجودة على الأراضي السودانية طوال العام وبصورة منتظمة ويمكن ان بتم ذلك بأسعار تفضيلية ،واكد استفادة السودان من هذه المنطقة بأن يكون لديه عائدات نظير ذلك ، ويشكل المشروع أهمية اقتصادية كبرى للسودان ، وفيما يتعلق بعرض مربعات تعدين رأى الناير ان روسيا اصلا لديها وجود في قطاع التعدين في السودان كما لديها عمل مشترك في تحديث الخرط، بالتالي رأى ان منحها مربعات للتعدين للتنقيب عن الذهب والنحاس يسهم في زيادة معدلات الإنتاج في قطاع التعدين في السودان، مضيفا ان هذا يتوافق مع ماظلوا ينادون به في تحويل قطاع التعدين التقليدي إلى قطاع منظم ورأى انها تعتبر الخطوة الأولى مع روسيا في منح مربعات لشركات روسية ومعروف أن قطاع التعدين المنظم يفيد الاقتصاد بصورة اكبر من التقليدي ويسهم في إنتاج الذهب من الأعماق البعيدة التي يصعب على التعدين التقليدي الوصول إليها فضلا عن استخراج الذهب بدون استخدام المواد الضارة للبيئة والانسان وبالتالي هذه قضية مهمة جدا وخطوة أولى يمكن أن تتطور المرحلة القادمة لمنح مربعات لشركات صينية وتركية والدول الشقيقة
والصديقة كالسعودية والكويت وقطر ، ما يقود بالتالي لتقنين قطاع التعدين المنظم والتقليل من التقليدي .
*مدى الاستجابة*
من جانبه رأى الخبير الاقتصادي د.الفاتح عثمان محجوب ، ان المقترح السوداني الذي قدمه الفريق أول عبدالفتاح البرهان للحكومة الروسية بانشاء منطقة تجارية حرة في البحر الاحمر تكون فيها منشآت تخزين للوقود والقمح، مكسبا كبيرا للحكومة السودانية ان وافقت عليه الحكومة الروسية، بيد انه نبه إلى انه في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها السودان وظروف اضطراب سلاسل الامداد عالميا بالنسبة للوقود والغذاء فإن روسيا ستجد نفسها مضطرة للتفكير عدة مرات قبل الاستجابة لهكذا مقترح من قبل الحكومة الروسية.
مبينا في حديثه ل(الاحداث) ان الاصل في هكذا مقترحات انها تأتي عادة نتاج مباحثات طويلة بين الخبراء ثم يتم تبنيها علي مستوي قيادتي البلدين اما الاقتراحات في الهواء الطلق فهي قد تنجح احيانا وقد تفشل ولكنها في المجمل تعبر عن هشاشة مؤسسات الدولة السودانية وغياب الفعل المنظم .
ورأى ان البرهان رمي الكرة في ملعب الجانب الروسي وسيتضح مدى اقتناع الجانب الروسي بهذا المقترح السوداني في طريقة تداولهم له وتحويلهم له إلى مشروع اتفاق قابل للتنفيذ.
ووفق ما تسرب من معلومات فان الجانب الروسي اقترح عقد مباحثات مغلقة مع الجانب السوداني لبحث تفاصيل المقترح وبالتالي اعاد الكرة لملعب الحكومة السودانية واردف” لا شئ مؤكد ولكن كل شيء سيتصح بعد المباحثات الروسية السودانية”.

↑
Exit mobile version