الفاشر.. عام على الحصار والمجازر وأسئلة العدالة الغائبة

الأحداث – تقرير
لم تكن الفاشر مجرد نقطة على خريطة الحرب السودانية، بل كانت امرأة عجوز “تعوس” الكسرة على نار الحطب تحت أزيز المسيّرات، وطفلًا يحفظ القرآن في خندق، وطبيبًا يجري عملية جراحية بضوء هاتف محمول.

لأكثر من عامين، حُبست “فاشر السلطان”، عاصمة التاريخ والسلطنة التي أسسها السلطان عبد الرحمن الرشيد، بين فكي حصار خانق، قُطع عنها الدواء والغذاء والوقود وشبكات الاتصال، لكنها لم تقطع الأمل. صمدت وهي بلا ماء ولا كهرباء، وقاتل أهلها بالسلاح الأبيض عندما نفدت الذخيرة.

وفي ذكرى سقوط الفاشر، نستعيد حكاية شعب قرر أن يبقى حيًا، وأن يأكل “الأمباز” وورق الشجر، وأن يموت جوعًا في المدينة التي أحبها ولا يغادرها إلا محمولًا على النعش.

اليوم، وبعد عام على المجزرة التي هزت الضمير الإنساني، تعود الفاشر لتسأل العالم سؤالًا واحدًا بقي بلا إجابة: أين كنتم؟

فاشر السلطان.. الجغرافيا التي صنعت الحرب
الفاشر ليست مدينة عادية في معادلة الحرب التي اندلعت شرارتها في أبريل 2023 في الخرطوم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل هي العقدة الجيوستراتيجية التي تربط دارفور الكبرى بكردفان والولاية الشمالية، وهي رئة الإقليم ومستودع ذاكرته، كما أنها كانت مركز النزوح الأكبر في السودان، باحتوائها معسكري زمزم، الذي يضم أكثر من نصف مليون نازح، ومعسكر أبو شوك.

والسيطرة على الفاشر تعني عسكريًا قطع شريان دارفور كله، وفصل ولاياته الخمس عن عمق السودان، وتحويل الإقليم إلى دولة مغلقة. لذلك كانت هي الهدف الأخير.

وتعرضت المدينة خلال فترة الحصار الممتدة من مايو 2024 وحتى أواخر 2025 لأكثر من 200 هجوم بري وجوي متزامن، شاركت فيه أرتال من المركبات القتالية والمسيّرات الاستراتيجية. وتحولت معها القرى المحيطة، مثل قولو وشقرة، ومعسكرات النازحين، إلى مسارح لانتهاكات جسيمة وطرق للموت.

أرقام لا تزال تبحث عن مقبرة
وفي هذا السياق، يقول الناشط الإنساني والمهتم بالشؤون العسكرية مجاهد باسان إن مرور عام على مجزرة الفاشر لا يمثل مجرد ذكرى، بل يمثل تذكيرًا حيًا بحجم الكارثة الإنسانية التي تعرض لها السكان العزل.

ويشير باسان، استنادًا إلى تقديرات متداولة لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن، إلى أن الحصيلة الأولية للمجزرة تجاوزت 15 ألف قتيل، فيما أُسر أكثر من 3 آلاف شخص، وفُقد نحو 5 آلاف مواطن، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن والنازحين من معسكري زمزم وأبو شوك.

ويؤكد باسان، في تصريح لـ”الترا سودان”، أن هذه الأرقام، التي لا تزال بحاجة ماسة إلى توثيق مستقل وشامل من قبل آليات أممية محايدة وفرق الطب الشرعي، تعكس في حد ذاتها حجم المأساة التي عاشها المدنيون. ويقول: “نحن لا نتحدث عن إحصائيات، نحن نتحدث عن عائلات كاملة مُسحت من السجل المدني، عن أطفال لا يعرف أحد أين دُفنوا”.

وينتقد باسان ما يصفه بـ”العجز الممنهج” للمجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات فاعلة تحول دون وقوع المجزرة، رغم النداءات المتكررة. ويحذر من أن استمرار الإفلات من العقاب قد يشجع على تكرار الانتهاكات في مناطق أخرى، داعيًا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون الدولي الإنساني.

نحن لا نراهن على أحدنحن لا نراهن على أحد
من جهته، يقول القائد بالقوة المشتركة، العميد يزيد رشاش:

“إن من الواجب علينا أن نترحم على شهداء مدينة الفاشر، فاشر السلطان، مدينة الصمود، وعلى كل الشهداء الذين استبسلوا ودافعوا عنها، من العسكريين في القوات المسلحة والقوة المشتركة والمستنفرين، والمواطنين الذين صمدوا أمام الحصار والعدوان الدولي الذي تشنه مجموعة من الدول عبر مليشيا الدعم السريع، في تحدٍ واضح لكل مؤسسات العدالة وحقوق الإنسان”.

وأضاف رشاش، في تصريح لـ”الترا سودان”، أن القوات المشتركة والقوات المسلحة، رغم مناشداتهما المستمرة للمؤسسات الدولية والإقليمية، لا تراهنان عليها ولا تعتمدان عليها. وقال: “نحن تعلمنا الدرس. هذه المؤسسات سقطت سقوطًا أخلاقيًا كبيرًا، وأصبحت ورقة لتحقيق مآرب سياسية، نحن نتحمل مسؤوليتنا الكاملة في الأخذ بثأر كل شهداء الوطن”.

وتابع: “سنأخذ بثأر شهداء الفاشر، ومن قبلهم شهداء الخرطوم وكردفان والجزيرة، وشهداء التنوب والدباغ والسريحة، وشهداء الجنينة ونيالا وكافة شهداء الوطن. المسؤولية الآن هي القصاص، وأردف:”القصاص الحقيقي هو تحرير كل شبر من أرض السودان””.

وأكد أن قواعد الاشتباك واضحة، وأن كل من يتم القبض عليه سيُقدم إلى محاكمة عادلة وشفافة، مضيفًا: “ومن يواجهنا بالسلاح سنقتص منه بالرصاص. هذا عهدنا ووعدنا لكل الشهداء، وعهدنا للفاشر”.

وكشف أن المتحركات تتقدم الآن نحو الفاشر ودارفور بكل ولاياتها، وولايات كردفان، وقال: “تحرير السودان هو وفاء للشعب ووفاء لدماء الشهداء”.

مجازر موثقة وسقوط أخلاقي
وتطرق رشاش إلى ما وصفه بالمجازر الموثقة التي ارتكبتها المليشيا في الجنينة، بدفن الأبرياء أحياء، وفي معسكر زمزم ومدينة الفاشر والقرى المحيطة، وفي الخرطوم والجزيرة.

وتساءل بمرارة: “أين كانت هذه المنظمات حين كان أهل الفاشر محاصرين لعامين بلا طعام، وحين كان أهل الجنينة يُدفنون أحياء، وحين أُبيد أهل ود النورة، وحين حوصر المواطنون في الدلنج وكادقلي حتى اضطروا لأكل أوراق الأشجار، وحين قُتل النساء والأطفال في معسكر زمزم؟”.

كردفان هي مفتاح الفاشر
يوضح المهتم بالشؤون العسكرية مجاهد باسان أن معركة الفاشر لا يمكن فصلها عن معركة كردفان. فالتطورات في محاور شمال كردفان، وتحديدًا في مناطق أم كدادة والخوي والنهود، لها تأثير مباشر على معركة الفاشر، نظرًا لأهمية محاور الاتصال والإمداد والطرق الصحراوية التي تربط بين كردفان ودارفور والشمالية.

ويرى أن أي تقدم ميداني وتثبيت للمواقع وتأمين لخطوط الإمداد قد ينعكس مباشرة على موازين السيطرة في الإقليم. لكنه شدد على أن تقدير فرص استعادة الفاشر بشكل كامل يظل رهنًا بتطورات العمليات الفعلية على الأرض، وقدرة القوات على مواصلة التحرك وتأمين مواقعها، وليس بالتصريحات فقط.

وفي المقابل، يقول اللواء الركن (م) الدكتور محمد خليل الصائم، أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية بالجامعات السودانية، إنه على يقين تام بأن القوات المسلحة السودانية ستسترد في نهاية المطاف كل دارفور، وليس الفاشر وحدها، غير أن الأمر يتطلب بعض الوقت، في ظل استمرار تدفق الإمداد بالسلاح من الخارج عبر أربعة مسارات معروفة من إثيوبيا وجيبوتي وتشاد وليبيا.

وأضاف الصائم، في تصريح لـ”الترا سودان”، أن القوات المسلحة تتقدم الآن بثبات، وبإذن الله ستسترد مدينة الفاشر وستقتص لكل الضحايا وأسرهم.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي عجز عن تمرير أي قانون منصف، وبات يساوي بين القوات المسلحة السودانية و”مليشيا” الدعم السريع، ويصفهما بـ”طرفي الصراع”، وهو توصيف يأتي بإيعاز من “دولة الشر”، وفق قوله.

وشدد على أن كل منطقة دخلتها القوات المسلحة شهدت حالة من الأمن والاستقرار للمواطنين، في حين أن “المليشيا” لجأت إلى فتح جبهات جديدة وحرب المسيّرات لعجزها عن حماية المناطق التي كانت تسيطر عليها، كما فتحت جبهة في الشرق بدعم إثيوبي بهدف تشتيت جهود القوات المسلحة. وأضاف أنه طالما أن غالبية الشعب السوداني تقف خلف قواته المسلحة، فإن النصر سيكون حليفها.

الفاشر تريد العدالة
بعد عام كامل من الدم والجوع والصمود، لم تعد الفاشر تريد من العالم بيان إدانة آخر يُكتب في جنيف ويُنسى في نيويورك. الفاشر لا تريد قافلة مساعدات تأخرت عامين، الفاشر تريد أن يعرف أطفال زمزم أين آباؤهم الذين خرجوا ليبحثوا عن لقمة كسرة ولم يعودوا. تريد أن يعرف العالم أين هي المقابر الجماعية. تريد محكمة، لا عقوبات أو مؤتمرات.
نقلا عن “الترا سودان”

↑
Exit mobile version