رأي

شَرَفُ الانصراف

روح متجددة

بقلم: عصماء عاصم

ثَمّة أشياء لا نفقدها حين ترحل، بل نفقدها حين نُقيم عند رحيلها طويلًا.

نظلّ نُمسك بطرف الحكاية بعد أن ينفضّ أصحابها، ونستبقي من الودّ رمقه الأخير، ونفتّش في الكلام عن معنى لم يعد قائله يقصده، كأنّ القلب إذا أمعن في الانتظار استطاع أن يستردّ ما استحال استرداده.

ولعلّ أشقّ ما في الفقد ليس أن يمضي الشيء من أيدينا، وإنما أن نُدرك، بعد طول المكابدة، أنّنا كنا نحاول ردّ بابٍ أصرّت الحياة على إغلاقه.

نُسمّي ذلك وفاءً، وهو أحيانًا خوف.

ونسمّيه إصرارًا، وهو في بعض الأحيان عجزٌ عن التسليم.

ونحسب كثرة المحاولة دليلًا على صدق الرغبة، مع أن بعض ما نُفرط في طلبه إنما يعلّمنا، بكثرة امتناعه، أنه لم يُخلق لنا.

وليس كلّ طريقٍ شاقٍّ طريقًا عظيمًا؛ فربّ مشقّةٍ لا ترفع صاحبها، وإنما تُمعن في إبعاده عن نفسه.

نحن نُحسن السعي، لكننا لا نُحسن دائمًا معرفة متى ينتهي السعي ويبدأ الاستنزاف.

وللسعي فضله؛ فما من غايةٍ تُدرك بالتمنّي، ولا بابٍ يُفتح لمن لم يطرق. غير أنّ للإنسان حدًّا ينبغي ألا يتجاوزه: أن يبذل جهده دون أن يبذل كرامته، وأن يحاول دون أن يجعل المحاولة سوطًا يجلد به روحه كلما عجز عن بلوغ ما يريد.

فما قيمة الوصول إلى شيءٍ وأنت تصل إليه وقد فقدت نفسك في الطريق؟

وفي العلاقات، تتجلى هذه الحقيقة أكثر من سواها.

كم من إنسانٍ قضى عمره يستجدي اهتمامًا كان ينبغي أن يأتيه عفوًا، ويشرح نفسه لمن لا يريد أن يفهم، ويعتذر عن وجوده كي لا يخسر من لا يراه أصلًا؟

الحب الذي يحتاج منك كل يوم أن تثبت أنك جدير به، يُتعب القلب أكثر مما يملؤه.

والصداقة التي تجعلك دائمًا في مقام الطالب، ليست وطنًا للروح.

أما الاهتمام الذي لا يأتي إلا بعد العتاب، فربما لم يكن اهتمامًا، وإنما استجابةً مؤقتة للخوف من خسارتك.

لا تجعل رغبتك في إمتلاك الأشياء تنسيك قدرتك على تركها.

فثمّة فرق بين أن تحبّ شيئًا، وأن تُقيم كرامتك رهينةً له.

وثمّة فرق بين أن تتمسّك بمن تحب، وأن تتعلّق به حتى يصبح غيابه أقوى من حضورك.

وقد يبلغ المرء من فرط تعلّقه شيئًا من المهانة لا يشعر بها إلا بعدما ينجو.

لذلك، لا تكن شديد التمسك بما يزداد إفلاتًا كلما أمسكت به.

فاليد التي تُقبض على الرماد لا تستردّ النار؛ وإنما تملأ كفّها بالعدم.

اترك للأشياء قدرها، وللناس اختيارهم، وللأبواب حقّها في أن تُفتح أو تُغلق.

لا تُحاول أن تستخرج من قلبٍ فتورًا محبة، ولا من صمتٍ جفاءً عذرًا، ولا من غيابٍ متكرر حضورًا مؤجلًا.

فما يُنتزع انتزاعًا لا يستقرّ استقرارًا، وما يُستبقى بالإكراه لا يُسمّى بقاءً.

وليس في الانصراف دائمًا هزيمة.

أحيانًا يكون الرحيل أرفع مراتب الوفاء للنفس.

أن تعرف متى تضع النقطة بدل أن تستمر في كتابة جملةٍ مات معناها.

أن تغادر المكان قبل أن يُجبرك على مغادرته بصورةٍ لا تليق بك.

أن تكفّ عن السؤال حين يصبح السؤال امتهانًا، وعن الانتظار حين يتحول الانتظار إلى إقامةٍ دائمة في ردهة الغياب.

ذلك ليس ضعفًا.

إنما الضعف أن تعرف أن الشيء يؤذيك، ثم تُصرّ على احتضانه لأنك تخشى أن تخلو يداك.

نحن لا نملك أن نُكره الأشياء على مواقيتها، ولا أن نستدعي من قلوب الناس ما لم تضعه قلوبهم لنا.

قد نسعى، وقد نطرق الأبواب، وقد نبذل ما نستطيع؛ ثم يأتي وقتٌ لا يبقى فيه من الشجاعة إلا أن نترك.

وهناك، في تلك اللحظة تحديدًا، يبدأ امتحان آخر:

هل تستطيع أن تمضي دون أن تحمل معك مرارة ما لم يكن؟

هل تستطيع أن تقول: حاولت بما يكفي، ثم تترك الأمر لله دون أن تقضي بقية عمرك في محاكمة نفسك؟

لعلّ النضج ليس أن تحصل على كل ما تشتهي، بل أن تعرف ما الذي يستحق منك السعي، وما الذي يستحق منك السلام.

فبعض الأبواب تُغلق لأن خلفها ما لا يليق بك، وبعض الطرق تطول لأن نهايتها ليست لك، وبعض الراحلين لا يأخذون من حياتك شيئًا؛ بل يأخذون معهم ما كان ينبغي أن يرحل منذ زمن.

ثمّة حكمة لا تأتي إلا بعد أن نتعب:

أن ما كُتب لك لن يحتاج إلى أن تُهين روحك في سبيله، وما لم يُكتب لك لن تمنحه كثرة الركض حقّ البقاء.

فاهدأ.

ليس كل تأخير حرمانًا، ولا كل فقدٍ عقوبة، ولا كل رحيلٍ خسارة.

قد يكون بعض ما أبكاك بالأمس هو عين ما ستشكر الله عليه غدًا.

وقد يكون ما ظننته انكسارًا هو أول تصدّعٍ في القيد الذي ظللت تظنه سلسلة من ذهب.

فإذا جاءك يومٌ وجدت فيه أن الطريق لا يفتح، وأن الودّ لا يعود، وأن اليد التي مددتَها طويلًا لم تُمسك بك…

فهل ستواصل الوقوف أمام بابٍ لا يفتح، أم ستمنح نفسك للمرة الأولى شرفَ الانصراف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى