رأي

شركات وطنية تدعم تهريب الصمغ العربي!

مهند عوض محمود

نعم، العنوان صحيح. فبحسب معلومات متداولة في سوق الصمغ، أصبحت شركات ورؤوس أموال سودانية تشتري الصمغ العربي عبر وسطاء في دولة جنوب السودان، وتدفع مقابله بالعملة الصعبة، ثم تنقله عبر مسارات التصدير وصولاً إلى ميناء ممباسا الكيني. ظاهرياً تبدو هذه الشركات وكأنها المتهم الأول؛ فهي توفر سوقاً للصمغ الذي خرج من السودان وتضخ أموالاً لشرائه، خاصة أن تكلفة الطن لبعض الدرجات والمعاملات التجارية قد تتجاوز 3,500 دولار.

لكن قبل أن نلوم هذه الشركات، يجب أن نسأل السؤال الأهم: من الذي جعل الصمغ السوداني أكثر جاذبية تجارياً بعد خروجه من السودان من بقائه داخله؟ هنا يجب أن تتحول أصابع الاتهام من الشركات إلى الحكومة، وفي مقدمتها وزارة التجارة.

يمتد حزام الصمغ العربي عبر مناطق واسعة من السودان، وتتركز أهم مناطق إنتاجه في كردفان ودارفور، مع امتدادات إنتاجه في النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق والقضارف ومناطق أخرى. واليوم تقع أجزاء مهمة من مناطق الإنتاج والتجارة في مناطق تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع الارهابية أو مناطق تأثرت بالحرب، بينما تقع مناطق أخرى تحت سيطرة الدولة. وفي الحالتين ارتفعت تكلفة نقل الصمغ إلى أسواق التجميع التقليدية مثل الأبيض وكوستي وأم درمان، ثم ترحيله إلى بورتسودان، بفعل مخاطر الطرق وارتفاع تكلفة النقل والرسوم والجبايات.

والنتيجة مفارقة تستحق أن تتوقف عندها الدولة: أصبح نقل الصمغ جنوباً إلى دولة جنوب السودان، ثم عبر دولة أخرى وصولاً إلى ميناء ممباسا، رغم طول المسافة، مجدياً اقتصادياً. وهذه ليست مشكلة تهريب فقط، وإنما دليل على خلل اقتصادي جعل الطريق الأطول جغرافياً أقصر تجارياً.

ومع ذلك، لا أضع اللوم الأساسي على الشركات السودانية. فرأس المال يتحرك إلى حيث يجد الربح والأمن وسهولة الإجراءات وانخفاض التكلفة. وقد كتبت سابقاً عن هجرة رأس المال السوداني إلى الدول التي وفرت له الاستقرار وبيئة العمل الأفضل. ولا يمكن أن نطالب رجل الأعمال باختيار الطريق الأعلى تكلفة حتى يثبت وطنيته. إذا أردنا منه أن يختار بورتسودان بدلاً عن ممباسا، فعلينا ببساطة أن نجعل بورتسودان أكثر جدوى.

وهنا نسأل وزارة التجارة: هل رصدت حركة الصمغ العربي عبر الحدود مع جنوب السودان وحجم الكميات التي تخرج؟ وهل درست أسباب تراجع الصادرات الرسمية والفجوة بين الإنتاج والصادر؟ وهل قدمت لمجلس الوزراء مقترحاً بوقف الرسوم والجبايات على الصمغ من مناطق الإنتاج وحتى الميناء لجعل نقله شمالاً أكثر تنافسية؟ وهل خاطبت بنك السودان المركزي وديوان الضرائب لتقديم تمويل تفضيلي وحوافز ضريبية للشركات التي تشتري من المنتجين وتصدر عبر القنوات الرسمية، بما في ذلك إعفاءات مؤقتة أو حوافز مرتبطة بقيمة الصادرات؟

هذه مجرد أمثلة، فالحلول كثيرة إذا كانت هناك إرادة وسياسة تجارية تبحث عنها. أما القول إن مناطق الإنتاج غير آمنة وإن العمليات العسكرية تعيق التجارة، فهو عذر أقبح من الذنب؛ لأن الحرب لم تمنع التجار من نقل الصمغ إلى جنوب السودان، ولم تمنعه من الوصول إلى الأسواق الخارجية. الحرب لم توقف التجارة، التجارة فقط غيرت طريقها.

وهناك أيضاً ملف المنشأ. فجنوب السودان لديه إنتاج محلي من الصمغ العربي، لكن الصمغ الذي أُنتج وحُصد في السودان لا تتغير دولة منشؤه لمجرد عبوره الحدود أو إعادة تصديره من ميناء آخر. وهنا يأتي دور قواعد المنشأ والتتبع Traceability، ودور وزارة التجارة بالتنسيق مع الخارجية والجمارك والبعثات السودانية في الخارج لمراقبة هذه التجارة والتأكد من عدم دخول الصمغ السوداني المهرب إلى الأسواق الدولية ببيانات منشأ غير صحيحة.

لكن الأخطر ليس خسارة صادرات اليوم، وإنما ما قد نخسره غداً. جنوب السودان لديه إنتاج فعلي من الصمغ العربي، كما أن بيئة أجزاء من شماله قريبة من امتداد حزام الصمغ العربي. وإذا انتقلت إليه التجارة ورؤوس الأموال وشبكات المشترين، فما الذي يمنع انتقال الاستثمار لاحقاً إلى التوسع في زراعة الهشاب والطلح وإنشاء مراكز التنظيف والفرز والتصنيع؟ عندها لن يكون جنوب السودان مجرد معبر للصمغ السوداني، وإنما منافساً قوياً.

وقد حدث أمامنا ما يشبه ذلك في السمسم. ظللنا نطمئن إلى جودة السمسم السوداني ومكانته التاريخية، بينما توسعت دول أخرى في الإنتاج وحسنت الجودة والتسويق وسلاسل الإمداد، فتراجع موقع السودان وتقدم المنافسون. فهل ننتظر حتى نكرر الخطأ نفسه مع الصمغ العربي؟

الصمغ العربي واحد من أهم ما تبقى للسودان من ميزاته التنافسية التاريخية، لكن الميزة الطبيعية التي لا تحميها السياسة الاقتصادية لا تدوم. والمطلوب ليس مطاردة الشركات الوطنية أو تخوين التجار، وإنما أن تجعل الحكومة تصدير الصمغ من السودان أكثر ربحية من تهريبه من السودان.

فإذا كان الصمغ يستطيع أن يغادر مناطق إنتاجه، ويعبر جنوب السودان، ويصل إلى ممباسا ويظل مربحاً، بينما يصبح الوصول به إلى بورتسودان أقل جدوى، فإن السؤال لم يعد: من يهرّب الصمغ العربي؟

السؤال الذي يجب أن تجيب عنه وزارة التجارة والحكومة هو: من جعل تهريبه أكثر جدوى من تصديره؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى