نعمان يوسف محمد
لم يعد السؤال في السودان: هل نحتاج إلى مصارف رقمية؟ فالحاجة أصبحت واضحة، والواقع اليومي للمتعاملين مع التطبيقات والتحويلات الإلكترونية يؤكد أن الخدمات المالية الرقمية لم تعد ترفا تقنياً. بالتالي يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: من يملك القدرة على بناء مصرف رقمي سوداني قادر على الاستمرار، وهل تستطيع شركات الإتصالات أن تكون شريكا في هذه العملية؟
تأتي هذه المسألة في توقيت حساس، بعد منشور بنك السودان المركزي رقم 4/2026 بشأن الحد الأدنى لرأس المال المدفوع للمصارف، الذي رفع متطلبات رأس مال المصارف التجارية والمصارف الرقمية إلى 140 مليار جنيه، مع منح المصارف القائمة خيار توفيق الأوضاع عبر زيادة رأس المال أو الاندماج. ومن ثم، فإن دخول شركات الإتصالات إلى المجال المصرفي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مشروعا تقنيا جديدا فحسب، بل باعتباره أحد الخيارات المطروحة لإعادة بناء القطاع المالي.
ما هو المصرف الرقمي؟
المصرف الرقمي هو مصرف مرخص يقدم خدماته المصرفية بصورة أساسية عبر الهاتف المحمول والإنترنت، مثل فتح الحسابات، والادخار، والتحويلات، والمدفوعات، والتمويل، دون الاعتماد على شبكة فروع تقليدية واسعة. ويختلف عن المصرف التقليدي الذي يضيف تطبيقا إلكترونيا إلى خدماته، كما يختلف عن المحفظة الإلكترونية التي تقتصر عادة على خدمات الدفع والنقود الإلكترونية، وفقا للترخيص والقانون.
رأس المال وحده لا يصنع مصرفاً:
من المهم هنا التمييز بين رأس المال المدفوع وكفاية رأس المال. فالحد الأدنى الذي يحدده المنشور شرط قانوني للرسملة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على قدرة المصرف على الاستمرار. فالمصرف الذي يملك رأس مال مدفوع مرتفعاُ قد يعاني من خسائر متراكمة، أو أصول متعثرة، أو ضعف في السيولة، أو عجز عن تمويل عملياته. ولذلك فإن أي مشروع مصرفي رقمي جديد يجب أن يقوم على دراسة جدوى مالية وتشغيلية ورقابية، لا على توفر تطبيق إلكتروني أو قاعدة عملاء واسعة.
وهنا تبرز أهمية شركات الإتصالات: فهي تمتلك بعض المقومات التي يحتاج إليها المصرف الرقمي، لكنها لا تمتلك تلقائياً الترخيص المصرفي أو الخبرة الكاملة في إدارة المخاطر المصرفية.
لماذا شركات الإتصالات؟
تملك شركات الإتصالات عادة شبكات واسعة من العملاء، وخبرة في إدارة الحسابات الرقمية، وتحصيل المدفوعات، وخدمة العملاء، وإدارة الأنظمة التي تعمل على مدار الساعة. كما أن انتشار الهاتف المحمول يتيح لها الوصول إلى شرائح لا تتعامل بانتظام مع الفروع المصرفية، بما في ذلك أصحاب الأعمال الصغيرة والعاملين في القطاع غير الرسمي.
لكن هذه المزايا لا تعني أن شركة الإتصالات تستطيع تحويل محفظة إلكترونية إلى مصرف بمجرد تغيير الاسم. فالمصرف يحتاج إلى إدارة الودائع والتمويل والسيولة والمخاطر والامتثال، وهي أعمال تتطلب إطاراً رقابياً متخصصا. وتوضح التجربة السعودية ذلك بجلاء: فقد تحولت stc pay من محفظة إلكترونية إلى STC Bank بعد الحصول على ترخيص مصرف رقمي من البنك المركزي السعودي، مع استمرار خضوع الكيان للرقابة المصرفية.
السعودية: حين تتحول شركة إتصالات إلى مصرف رقمي
تقدم السعودية تجربة مهمة في هذا المجال، ليس لأنها الأقرب إلى السودان في كل الظروف، بل لأنها توضح كيف يمكن لشركة إتصالات ذات قاعدة عملاء واسعة أن تدخل النشاط المصرفي من خلال التحول المؤسسي والترخيص. فقد بدأ STC Bank بوصفه محفظة إلكترونية، ثم تحول إلى مصرف رقمي مرخص. ويقدم اليوم خدمات الحسابات والتحويلات والادخار والبطاقات والخدمات المصرفية للأعمال عبر المنصات الرقمية. وفي المقابل، يمثل D360 نموذجا آخر لمصرف رقمي تأسس من خلال مستثمرين، بدعم من صندوق الإستثمارات العامة وشركة دراية المالية، وبدأ عملياته المصرفية في ديسمبر 2024 بعد حصوله على عدم ممانعة من البنك المركزي السعودي.
وتكشف التجربتان أن المصرف الرقمي يمكن أن ينشأ بطريقتين مختلفتين: تحول كيان مالي رقمي قائم إلى مصرف، أو تأسيس مصرف جديد من البداية. لكن القاسم المشترك هو أن الترخيص والحوكمة ورأس المال وإدارة المخاطر تظل شروطا أساسية، حتى عندما يكون المؤسس شركة إتصالات أو مستثمرا ماليا.
كينيا: الهاتف المحمول يفتح باب الشمول المالي
تقدم كينيا نموذجا مختلفاً، فالتوسع المالي الرقمي هناك ارتبط بصورة كبيرة بخدمات الهاتف المحمول والوكلاء، وبالأخص M-Pesa، التي أتاحت الإيداع والسحب والتحويلات والمدفوعات عبر شبكة واسعة من نقاط الخدمة. وتكشف التجربة الكينية أن التحول الرقمي يبدأ من احتياجات العميل، وليس من شكل المؤسسة. فقد يكون العميل بحاجة إلى تحويل صغير، أو إيداع يومي، أو دفع قيمة سلعة، أو سحب نقدي من وكيل قريب. وإذا استطاع النظام المالي تلبية هذه الاحتياجات بأمان وبتكلفة مناسبة، فإنه يوسع الشمول المالي حتى قبل إنشاء مصرف رقمي متكامل.
السودان: أين تكمن الفرصة؟
يمتلك السودان قاعدة من المصارف القائمة، وشركات إتصالات، وشبكات مدفوعات إلكترونية، وتجارب في التطبيقات والمحافظ الرقمية. لكن هذه البنية لا تزال تواجه تحديات تتعلق باستمرارية الشبكات، والسيولة النقدية، والاعتماد على الإنترنت، والأمن السيبراني، وثقة العملاء. ومن ثم، فإن دور شركات الإتصالات في إنشاء مصارف رقمية ينبغي أن يبدأ من معالجة هذه التحديات، لا من إضافة تطبيق جديد إلى السوق.
الفرصة الأولى: الوصول إلى العملاء
يمكن لشركات الإتصالات توفير قنوات وصول واسعة عبر الهاتف المحمول، بما يتيح للمصارف الرقمية خدمة العملاء في المدن والأرياف، وتقليل الاعتماد على الفروع.
الفرصة الثانية: البنية التقنية
تملك شركات الإتصالات خبرة في إدارة الأنظمة واسعة النطاق، وتوفير الخدمة المستمرة، ومراقبة الأعطال، وإدارة مراكز الإتصال. لكن في مقابل ذلك تحتاج الأنظمة المصرفية إلى متطلبات إضافية، خصوصا فيما يتعلق بسلامة السجلات المالية، وإدارة المخاطر، وحماية بيانات العملاء.
الفرصة الثالثة: المدفوعات والتجارة
يمكن للمصرف الرقمي المرتبط بشركة إتصالات أن يقدم خدمات للتجار، مثل قبول المدفوعات، والتحصيل الإلكتروني، وإدارة الحسابات التجارية. وهذا قد يساعد على توسيع قاعدة العملاء وتحسين دورة النقد داخل الاقتصاد.
الفرصة الرابعة: الادخار والتمويل
يمكن تطوير منتجات ادخار رقمية بسيطة، ثم بناء خدمات تمويل تستند إلى بيانات المعاملات، مع مراعاة ضوابط الائتمان وحماية العملاء. لكن لا ينبغي أن تتحول البيانات المتاحة لدى شركات الإتصالات إلى بديل عن التقييم الائتماني والرقابة المصرفية.
هل تنشئ شركات الإتصالات مصارف جديدة أم تدخل في شراكات؟
هناك ثلاثة نماذج محتملة:
النموذج الأول: مصرف رقمي مستقل
تؤسس شركة الإتصالات مصرفا رقميا مرخصا، برأس مال مستقل، ومجلس إدارة وإدارة تنفيذية مصرفية، ونظام رقابي متكامل.
النموذج الثاني: شراكة بين شركة إتصالات ومصرف قائم
يتولى المصرف النشاط المصرفي والترخيص والامتثال، بينما توفر شركة الإتصالات القنوات الرقمية والبنية التقنية والوصول إلى العملاء.
النموذج الثالث: اندماج أو إعادة هيكلة
يمكن أن تكون شركات الإتصالات جزءا من تحالف إستثماري لإعادة رسملة مصرف قائم أو تأسيس كيان مصرفي جديد بعد معالجة أوضاعه القانونية والمالية.
ولا يمكن اعتبار أي نموذج أفضل بصورة عامة؛ فالاختيار يعتمد على رأس المال المتاح، وحالة المصرف، ومتطلبات الترخيص، وقدرة الشركاء على إدارة المخاطر.
ما الذي يجب أن يفعله بنك السودان المركزي؟
نجاح أي مشروع مصرف رقمي يحتاج إلى إطار تنظيمي واضح يحدد العلاقة بين المصارف وشركات الإتصالات.
ومن أهم المتطلبات:
1. تحديد شروط مساهمة شركات الإتصالات في المصارف.
2. وضع قواعد للملكية والإدارة وتعارض المصالح.
3. تنظيم الاستعانة بمقدمي الخدمات التقنية.
4. تحديد مسؤولية المصرف عن أموال العملاء.
5. وضع ضوابط واضحة للبيانات والخصوصية.
6. تنظيم خدمات الوكلاء ونقاط النقد.
7. وضع متطلبات للأمن السيبراني واستمرارية الأعمال.
8. تحديد آليات حماية العملاء وتسوية الشكاوى.
9. تنظيم الانتقال من المحفظة الإلكترونية إلى الحساب المصرفي.
10. ربط أي مشروع رقمي بمتطلبات رأس المال وكفاية رأس المال والسيولة.
هذه ليست شروطا لتعطيل الابتكار، بل ضمانات حتى لا يتحول التوسع الرقمي إلى مصدر جديد للمخاطر.
المخاطر التي يجب أن تكون حاضرة:
قد يبدو إنشاء مصرف رقمي أقل تكلفة من إنشاء مصرف تقليدي، لكن ذلك لا يعني أن مخاطره أقل. فالمخاطر التقنية قد تؤدي إلى توقف الخدمات أو فقدان الثقة، والمخاطر السيبرانية قد تؤدي إلى خسائر مالية وتسرب بيانات، كما أن ضعف السيولة لدى الوكلاء قد يعطل عمليات السحب والإيداع. وتزداد أهمية هذه المسألة في السودان، حيث أشارت دراسة فنية منشورة في يونيو 2026 إلى وجود ثغرات أمنية في تطبيقات مصرفية سودانية، مع اختلاف مستويات المخاطر بين التطبيقات. وتظل هذه نتائج دراسة محددة، لا حكما شاملا على جميع التطبيقات أو المصارف. لذلك يجب أن يقوم أي مصرف رقمي على مبدأ الأمن منذ التصميم، وليس معالجة الأمن بعد إطلاق الخدمة.
ماذا عن المصارف القائمة؟
لا ينبغي أن يكون إنشاء المصارف الرقمية مدخلا لتجاوز مشكلة المصارف القائمة التي تواجه متطلبات منشور 4/2026. فالتحول الرقمي لا يعفي المصرف من معالجة الخسائر المتراكمة أو استيفاء رأس المال المطلوب أو تصحيح أوضاعه القانونية. لكن يمكن أن يكون التحول الرقمي جزءا من خطة إعادة الهيكلة، إذا سبقه تشخيص مالي وتشغيلي واضح، وحددت جدواه، وتوافرت القدرة على تمويله وتنفيذه. كما أن دخول شركات الإتصالات إلى المجال المصرفي قد يفتح فرصا للاندماج أو الشراكات، لكنه لا يجعل الاندماج أو التصفية نتائج تلقائية.
الطريق العملي إلى الأمام:
السودان لا يحتاج إلى استنساخ تجربة السعودية أو كينيا، بل إلى بناء نموذج يناسب واقعه. وقد يبدأ ذلك بمشروع تجريبي محدود، يركز على حسابات الادخار الرقمية، التحويلات والمدفوعات، خدمات التجارة، الوكلاء، USSD، حماية العملاء، اختبار استمرارية الخدمة، قياس تكلفة المعاملة، تقييم الأمن السيبراني والتوسع بعد نجاح المرحلة الأولى. ثم يمكن الانتقال إلى التمويل الرقمي والخدمات المصرفية المتكاملة، وفقا لنتائج التشغيل والمتطلبات الرقابية.
خلاصة القول:
شركات الإتصالات في السودان تملك فرصة حقيقية للمساهمة في بناء مصارف رقمية، لكنها لا تستطيع القيام بذلك وحدها. فالمشروع يحتاج إلى مصرفيين، وتقنيين، ومستثمرين، ورقابة قوية، وبنية تحتية موثوقة.
وتوضح تجربة السعودية أن شركة الإتصالات يمكن أن تتحول إلى مصرف رقمي مرخص، بينما توضح تجربة كينيا أن الهاتف المحمول والوكلاء يمكن أن يوسعا الوصول إلى الخدمات المالية بصورة كبيرة.
أما السودان، فإن نجاحه يتوقف على الجمع بين هذه الدروس وبين متطلبات منشور رأس المال وإعادة الهيكلة.
المصرف الرقمي الذي نحتاجه ليس مصرفا بلا فروع فقط، بل مصرفا بلا حواجز أمام العميل، وبلا غموض في المسؤولية، وبلا تنازل عن سلامة الأموال والثقة والرقابة.
** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي