لماذا ترتفع تكلفة اقتراض الحكومات من واشنطن إلى طوكيو ولندن؟
شهد الأول من سبتمبر واحدة من أكثر جلسات أسواق الدين إثارة للقلق هذا العام، إذ ارتفعت عوائد السندات الحكومية في الاقتصادات الكبرى بالتزامن، في إشارة إلى أن المستثمرين يطالبون الحكومات بفائدة أعلى مقابل إقراضها.
وصل عائد السندات اليابانية القياسية إلى نحو 3% للمرة الأولى منذ 1996، وارتفعت تكاليف الاقتراض البريطانية إلى أعلى مستويات منذ سنوات، بينما تعرضت سندات الخزانة الأميركية والسندات الأوروبية لموجة بيع مماثلة.
في الظاهر، تبدو المسألة مالية وتقنية. لكن سوق السندات في الحقيقة يشبه جهاز قياس ثقة المستثمرين في الحكومات.
عندما يشتري المستثمر سنداً لعشر سنوات، فإنه يقرض الحكومة مالاً مقابل سعر فائدة. فإذا خشي التضخم أو ارتفاع الدين أو ضعف الانضباط المالي، فإنه يطلب عائداً أعلى لتعويض المخاطر.
ولهذا فإن ارتفاع العوائد في دول مختلفة في الوقت نفسه يحمل رسالة مشتركة: الأسواق غير مقتنعة بأن مشكلة التضخم والدين أصبحت تحت السيطرة.
جاءت صدمة النفط لتزيد القلق. فتجدد المواجهة الأميركية–الإيرانية دفع أسعار الخام إلى أعلى، ما أعاد احتمال أن تنتقل تكلفة الطاقة إلى النقل والغذاء والصناعة والخدمات.
وهذا بدوره يضع البنوك المركزية أمام معضلة: خفض الفائدة لدعم الاقتصاد قد يعيد إشعال التضخم، بينما إبقاء الفائدة مرتفعة يزيد خدمة ديون الحكومات والأسر والشركات.
وفي منطقة اليورو، تعززت المخاوف مع ظهور بيانات تضخم أعلى من المتوقع. كما حذر مسؤول في البنك المركزي الأوروبي من أن استمرار حرب استنزاف في الشرق الأوسط قد يبقي ضغوط الأسعار مرتفعة لفترة أطول. (Reuters)
لكن النفط ليس السبب الوحيد.
الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وعدد من الاقتصادات المتقدمة تحمل مستويات ضخمة من الدين العام. وكل نقطة مئوية إضافية على تكاليف الاقتراض تعني زيادة مليارات الدولارات في مدفوعات الفائدة.
ومن هنا تبدأ الحلقة الصعبة: الدين الكبير يؤدي إلى فائدة أكبر؛ والفائدة الأكبر توسع العجز؛ والعجز يحتاج إلى إصدار سندات جديدة؛ وزيادة العرض من السندات قد تدفع المستثمرين إلى طلب عائد أعلى.
ولهذا تحدثت فايننشال تايمز في 1 سبتمبر عن تعمق موجة البيع العالمية، بينما أبرزت رويترز قلق المستثمرين من السياسات المالية والتضخم في عدة اقتصادات كبرى. (Financial Times)
وتصل المشكلة مباشرة إلى المواطن.
ارتفاع عوائد سندات الحكومة الأميركية مثلاً يرفع عادة الفائدة على الرهون العقارية والقروض التجارية وبطاقات الائتمان. وفي بريطانيا تتأثر أسعار الرهن العقاري وتمويل الشركات. وفي الدول الناشئة قد يؤدي ارتفاع العائد الأميركي إلى خروج رؤوس الأموال نحو الدولار والسندات الأميركية.
أي أن ما يبدأ على شاشات تداول السندات يتحول سريعاً إلى قسط منزل أعلى وتمويل أغلى واستثمار أقل.
وتزيد اليابان الصورة تعقيداً. فقد اعتاد العالم لعقود على الفائدة اليابانية شديدة الانخفاض، وهو ما شجع المستثمرين على الاقتراض بالين لشراء أصول في الخارج. فإذا ارتفعت العوائد اليابانية بصورة مستدامة، قد تعود رؤوس أموال يابانية من الأسواق العالمية إلى الداخل.
وهذا يمكن أن يضغط على سندات الولايات المتحدة وأوروبا بدوره.
الخلاصة: موجة البيع لا تقول بالضرورة إن أزمة مالية عالمية بدأت، لكنها تكشف أن عصر الاقتراض الحكومي الرخيص قد انتهى، وأن المستثمرين أصبحوا أكثر استعداداً لمعاقبة الحكومات التي يرون أن موازناتها غير قابلة للاستمرار.
لماذا يهم؟
إذا ظلت عوائد السندات مرتفعة، لن تقتصر المشكلة على البورصات. الحكومات ستواجه تكلفة أكبر لتمويل الموازنات، والأسر قروضاً أغلى، والشركات استثماراً أصعب، والأسواق الناشئة ضغوطاً على العملات. لذلك قد تصبح أزمة الدين العام إحدى أهم القصص الاقتصادية في النصف الأخير من 2026.