رأي

سلك: ليس أقل من الخيانة العظمى

د. ياسر محجوب الحسين

في عتمة الحرب الأخطر في تاريخ السودان الحديث، التي تهدد كيان الدولة بأكمله وترتكب فيها مليشيا الدعم السريع المتمردة أبشع الجرائم الإنسانية، برزت مواقف خالد عمر يوسف (سلك) لتثير جدلا حادا يتجاوز حدود المعارضة السياسية المشروعة. فبينما يحق لأي مواطن انتقاد سياسات السلطة، فإن استهداف مؤسسات الدولة السيادية، وعلى رأسها الجيش، خاصة في ظروف استثنائية، يتجاوز حدود الخيانة العظمى.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يتردد خالد سلك، المتجول في عواصم دولية، في توجيه اتهامات خطيرك للجيش السوداني. أبرزها اتهامه باستخدام أسلحة كيميائية، وهو ما دفع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش إلى الرد علنا مهددا بمحاسبة الشعب له وكنا ننتظر إجراء قوي أكثر من الرد. كما أشار سلك ما وصفه بحملة انتقامية في ولاية الجزيرة بعد دخول القوات المسلحة. وفي ندوة بلندن، ذهب أبعد بمقارنات مثيرة للجدل بين انتهاكات الحرب الحالية وممارسات سابقة في جنوب السودان، مما أثار اتهامات بالتحريض.
إن السياق الاستثنائي للحرب يحول هذا النقد- مهما غلف بعبارات سياسية ممجوجة – الصادر من منصات دولية، إلى مادة تستغلها أطراف معادية لتقويض معنويات القوات المسلحة.
المعارضة السياسية في حد ذاتها لا غبار عليها وهو عمل يقوم به وطنيون من داخل الدولة. لكن الخط الفاصل واضح: انتقاد سياسات الحكومة شيء، واستهداف الجيش كمؤسسة تمثل السيادة شيء آخر. الحرب الحالية تفرض إجراءات استثنائية، تماما كما فعلت دول كبرى في أوقات مماثلة.
فقد اتخذت الولايات المتحدة مواقف صارمة خلال حروبها: في الحرب العالمية الأولى أصدرت قانون التجسس وقانون التحريض، وسجنت معارضين بارزين مثل يوجين ديبز وأغلقت صحفا. وفي الحرب العالمية الثانية اعتقلت أكثر من 120 ألف أمريكي من أصل ياباني. وبعد 11 سبتمبر وسع قانون باتريوت صلاحيات المراقبة، واستُخدم قانون التجسس ضد مسربين بتهم مساعدة العدو. أما بريطانيا ففرضت خلال الحربين العالميتين قوانين الدفاع عن المملكة التي جرمت الإشاعات المثبطة للمعنويات، وحظرت بث أصوات ممثلي الجيش الجمهوري الأيرلندي لسنوات. هذه الإجراءات كانت استثنائية ومؤقتة، خاضعة لرقابة قضائية، وأثبتت بلا شك أن حماية مؤسسات الدولة في الحرب أولوية لا تُساوم.
هنا يبرز الفشل الأكبر للسلطة في السودان: رغم خطورة التصريحات، لم تُحرك أي إجراءات قانونية جدية ضد سلك، ولم تُعقد محاكمة. هذا التقاعس يشجع آخرين على تكرار النهج نفسه في أخطر مرحلة تمر بها البلاد.
السلطات مطالبة باتخاذ موقف حازم يحفظ هيبة الدولة، مستلهمة الدروس من التجارب الدولية، دون المساس بالمعارضة السياسية النظيفة. فالحرب لا تحتمل التردد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى