حسن سعيد المجمر
لم تكن هذه السكين تخرج من جفيرها إلا في العشر الأوائل من ذي الحجة المباركة كل عام. فهي مخصصة لذبح الضحية (الأضحية) كما يحلو لأهل البلد. تحفظ في جفيرها بعد تنقيتها وتهذيبها على حجر المسن من آثار دماء وشحم رقبة الكبش، فهي كالعروس في خدرها مصونة في مكان لا تمتد إليه يد، خاصة يد صاحبة البيت، التي تموت السكاكين في يدها من كثرة تقطيع البصل والشحم واللحم والخضار، وهذه طريقة مهينة لا ينبغي فعلها بسكين اعتاد صاحبها أن يتفاخر بجودتها في مجالس أقرانه. أولئك الذين يرددون عشية يوم العيد أن سكينهم قطعت رؤوس خراف عديدة مليحة في لمح البصر، لم يعجزها عظم ولا عصب ولا طايووق(1)، ويزيد بعضهم أن سكينه هذه ورثها من أبيه فهي في العمر من أترابه ظلت تقوم بدورها في همة وحزم لعقود طويلة دون أن يمسها صدأ كأنها من الفولاذ.
أجيال من الفتيان حملوا لسنوات متتابعة سكاكين الأضحية إلى الحداد ولهم في ذلك حكايات خالدة في أذهانهم. في قلب تنقسي الجزيرة الحبيبة (بُرقُس) كان عبد الأسد في قوز البدري أحد أكثر الحدادين شهرة، نظرا لمهاراته الكبيرة في صقل السكاكين وأدوات أخرى تستخدم في الزراعة والحصاد.
كشيقته(2) المصنوعة من الجريد والحطب لم تطالها النار لدقته وحرصه في جعل حفرة الجمر في الوسط يحيط بها الرمل ولا يستطع نافخ الكير مهما كانت قوته أن ينفث الشرار ليصل إلى جريد الصريف أو السقف الذي يظلله قش الخلاء القابل للاشتعال. كانت السموم عندما ينتصف النهار تتسلل ما بين ذلك السعف اليابس تلسع الوجوه، وتارة تقع على يدك شرارة من الجمر. فلا أحد يصرخ ألماً لأن صرخته سيتناقلها أترابه ويتندرون بها.
أولئك الصبية ينتظرون قدوم العيد الذي كلما قربت أيامه تطاولت الساعات حتى كنا نظن أن اليوم ثمان وأربعون ساعة بدلا عن أربع وعشرين.
اهتمام الصبية كان منصبا يوم الأضحية على جمع أبو دمام والبيض والكلاوي فهي الشواء المفضل لهم. يساعدهم الكبار في اشعال الجمر من فحم أشجار السنط التي يتطاير شراها كالنجوم وهم لا يأبهون.
فأهل الفريق جميعهم يبدأون ذبح أضاحيهم في بيت كبيرهم، الرجال يعتنون بشية الجمر، تحت أشجار المانجو والنخيل في ركن قصي من البيت، بينما النساء يعتنين بلحمة الصاج والمرارة والشطة بالدكوة والليمون.
هنا في منحنى النيل لا يبقى من أضحية في بيت صاحبها سوى جزء يسير من الخروف، فالجميع يشاركون في أكل أضاحيهم ويتحركون أيام العيد كبارهم وصغارهم من بيت إلى بيت، وعندما ينتصف النهار وتتوسط الشمس كبد السماء يتمددون على عناقريب هباي تحت الرواكيب والأشجار، فتنساب على ألسنتهم نوادر متواترة عن الآباء والأجداد.
من بين القصص المفرحة عودة الأعمام وأولادهم ليشاركونهم فرحة العيد من المغترب والعاصمة ومدن الصعيد، وثغر السودان.
الكبار هنا معظمهم عائدون من مشروع الجزيرة، ومصنع سكر سنار، وسواق كسلا، وثغر السودان وغيرها لقضاء المعاش في قراهم الوادعة عند منحى النيل.
ذلك الزمان لم يكن أهله يؤرقهم انعدام خدمات المياه والكهرباء والصحة والاتصال والتلفزيون. فقرى منحى النيل اعتادوا أن يخدمهم مساعد طبي واحد في غرفة شفخانة تتوسطها طاولة خشبية عتيقة وفي الركن حلة نيكل تغلى فيها الإبر التي طعن بها جميع أهل البلد دون أن ينتشر بينهم وباء. بينما يمثل المعلم مؤسسة تربوية كاملة تقوم بواجبها تجاه التلاميذ الذين في أغلب الأحيان ينحدرون من أصلاب رجال ونساء لا يفكون الحرف. وقد تفوق ابناؤهم وأصبح بعضهم أعلاما يشار إليهم بالبنان.
في يوم العيد هنا ترتسم السعادة على وجوه الجميع، فلا أحد يشعر بقلة زاد أو انعدام زائر، حيث لا يوجد بيت لم تطأه قدم.
وفي يوم العيد يذكر الناس موتاهم بدءا بزيارة الجبانة(3) بعد صلاة الفجر وقبل شروق الشمس، يترحمون عليهم وينثرون على قبورهم المياه وحب المريق(4)، ويتوسمون خيرا بنبات العش والأشجار الصغير جوار القبور. وفي يوم العيد يحن هؤلاء إلى أعمامهم الذي هجروا البلد وحرموا متعة قضاء العيد في مرتع الصبا.
العيد في البلد هو العيد وإن رحل الكبار بذكرياتهم وتغيرت الأحوال وصدأت السكاكين القديمة.