رصاصة لم تصل…حين يُنتج المناخ السياسي “ذئابه المنفردة”

عبدالعزيز يعقوب – فيلادلفيا
ayagoub@gmail.com
٢٨ أبريل ٢٠٢٦

في تلك الليلة، لم يكن في القاعة ما يوحي بأن العاديّ على وشك أن ينكسر. أضواء وادعة، أحاديث تتهادى بثقة، ومشهدٌ مكتمل الإخراج لسلطةٍ اعتادت أن تبدو مُحكمة. في الداخل، كان دونالد ترامب حاضرًا، محاطًا بيقينٍ غير مُعلن بأن كل شيء تحت السيطرة. ثم، في لحظةٍ خاطفة، انقطع النسق.

دوّى الصوت—حادًا بما يكفي ليشقّ الطمأنينة نصفين. تحرّكت الأجساد وفق بروتوكولٍ محفوظ، وأُخليت القاعة خلال ثوانٍ بدت أطول من الزمن. عاد الشكل سريعًا، لكن المعنى لم يعد. لأن ما حدث لم يكن مجرد خللٍ أمني عابر، بل تصدّعًا في فكرة السيطرة ذاتها.
خارج الأبواب، كان هناك شخص واحد قرّر أن يختصر المسافة بين قناعةٍ في رأسه وفعلٍ يهزّ العالم.
لم يُكمل طريقه. أُوقِف قبل أن يقترب. لكن الحكاية الحقيقية لا تبدأ عند لحظة الإيقاف، بل قبلها بكثير—في مكانٍ لا تُرصد فيه الكاميرات.

اسم المتهم كول توماس ألين. واحدٌ وثلاثون عامًا من سيرةٍ عادية إلى حدّ الإخفاء: تعليم تقني، عمل في البرمجة، وانضباط مهني لا يثير الشبهات. لا سجلّ جنائي، ولا اندفاع ظاهر. وهذا تحديدًا ما يجعل القصة مقلقة: أن العنف، في صورته الجديدة، لا يحتاج إلى ملامح استثنائية.
من عرفوه وصفوه بالهدوء المفرط؛ هدوءٌ يلامس الانسحاب. لبقٌ، لكن مغلق. حاضرٌ جسديًا، وغائبٌ ذهنيًا. كأن حياته الخارجية تسير بانضباط، فيما يتشكّل في الداخل شيءٌ آخر، ببطءٍ لا يُرى.
سافر وحده. خطّط وحده. اقترب وحده. لم يكن جزءًا من تنظيم، ولم ينتظر إشارة. وهذه ليست تفصيلة، بل جوهر الظاهرة: لم يعد العنف يحتاج إلى شبكة—يكفيه عقلٌ واحد مكتفٍ بنفسه.
في رسائله التي سبقت الفعل، قدّم نفسه بعبارة تكاد تختصر التحوّل كله: “القاتل الفدرالي الودود”. ليست مجرد مفارقة لغوية، بل دليل على إعادة صياغة المعنى: حين يُكسى العنف بعباراتٍ مُلطّفة، لا لتخفيفه، بل لتبريره أخلاقيًا.
هنا لا نكون أمام خللٍ فردي معزول، بل أمام مسارٍ معروف في علم السلوك السياسي: حين تتصلّب الفكرة حتى تصبح الإطار الوحيد للفهم، يُعاد ترتيب الواقع حولها، ويُختزل العالم إلى معسكرين. عندها، لا يعود الخصم مختلفًا في الرأي، بل خطرًا يجب إزالته.

هذا هو منطق “الذئب المنفرد”، لا بوصفه مصطلحًا أمنيًا فحسب، بل كمنتجٍ مباشر لمناخٍ سياسي مأزوم. فالفرد هنا لا يتحرك من فراغ، بل من بيئةٍ مشبعة بخطابٍ حاد، حيث اللغة لم تعد أداة وصف، بل أداة تعبئة.

المشكلة ليست في الفعل وحده، بل في الطريق الذي جعله ممكنًا.
في السنوات الأخيرة، لم يعد الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة مجرد اختلافٍ في البرامج، بل تحوّل إلى انقسامٍ في تعريف الواقع نفسه. كل طرف يبني عالمه الخاص، بمصادره، وسرده، ومخاوفه. ومع هذا الانقسام، تتآكل المنطقة الرمادية—تلك المساحة التي تسمح بالتردد، بالتفكير، وبإعادة النظر.
وحين تختفي هذه المساحة، يصبح اليقين خطرًا.
الفضاء الرقمي يزيد الأمر تعقيدًا. لم يعد الفرد بحاجة إلى مجتمعٍ مادي ليغذّي أفكاره؛ يكفيه أن يدخل في دوائر مغلقة تُعيد إنتاج القناعة ذاتها، حتى تتحول الفكرة إلى صدى لا ينقطع. هناك، لا تُختبر الأفكار، بل تُعزَّز. لا تُناقش، بل تُكرَّس.
في هذا السياق، لا يظهر “الذئب المنفرد” كاستثناء، بل كأحد مخرجات النظام.

النقطة الأخطر أن هذا النمط لا يمكن التنبؤ به بسهولة. لأنه لا يمر عبر قنوات تقليدية، ولا يترك إشارات واضحة. هو نتاج تراكمي، عزلة، خطاب مشحون، يقين مغلق، ثم لحظة قرار تبدو من الخارج مفاجئة، لكنها في الداخل كانت حتمية.
ما حدث تلك الليلة لم يكن محاولة اغتيال فاشلة فحسب، بل اختبارًا لفكرةٍ أوسع وسوال ، هل يمكن لمجتمعٍ يعيش هذا القدر من الاستقطاب أن يبقى آمنًا من نتائجه؟

انتهت الحادثة دون إصابة الهدف. لكن ذلك لا يغيّر من الحقيقة الأهم: أن الخطر لم يعد يأتي فقط من تنظيمات معقّدة، بل من أفراد عاديين، يحملون في داخلهم رواياتٍ مكتملة، لا يراها أحد حتى تتحول إلى فعل.
وهنا مكمن القلق الحقيقي، -أن العنف لم يعد يبدأ بالسلاح، بل باللغة.
وأن الرصاصة، في كثيرٍ من الأحيان، تُطلق أولًا في الوعي… قبل أن تُطلق في الواقع.

Exit mobile version