رأي

رؤية النخب الأمريكية للتطورات الدولية الراهنة! 

الدكتور الخضر هارون 

جعل بروفسور استيفن وولت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد وصاحب نظرية “تحالف التهديد” في العام 1985,عنوان مقالته عن غزوة الرئيس دونالد ترامب لفنزويلا واختطاف  رئيسها  نيكولاس مادورو, ليلا من قصره في كاراكاس بعنوان ساخر هو ” مبدأ دونو” مختزلا كل العملية بأن غرضها الاسمي هو تخليد اسم  الرئيس دونالد ترامب مثلما خلد التاريخ مبدأ الرئيس الأمريكي  الأسبق جيمس مونرو في العام1923 عندما أعلن تحريم تدخل القوي الاستعمارية الأوروبية في أمريكا الوسطي والجنوبية  ( نصف الكرة الغربي)عسكريا باعتبارها حديقة خلفية للولايات المتحدة الأمريكية لا يجوز الاقتراب منها. ولعل في ذهن البروف سعي الرئيس لتغيير اسم مركز الفنون الذي سمي علي الرئيس جون اف كندي تخليدا لذكراه  إلي مركز ترامب وكنيدى ! ومن السخرية  والتقريع ما قتل! كأنه يتساءل :أتجيش الجيوش  وتنفق الملايين وتعرض أرواح الجنود من أبناء الطبقات الفقيرة  للموت لغزو بلد ذات سيادة و في خرق واضح للقوانين والأعراف الدولية فقط لإقحام نظرية أو مبدأ دونالد ترامب في التاريخ؟ ويلحق العنوان بعبارة أكثر سخرية مخاطباً القارئ : 

” إن كنت في حيرة من أمرك وأنت تحاول معرفة الأهداف الرئيسة لإدارة ترامب تجاه فنزويلا بما في ذلك ما وقع مؤخرا من خطف الرئيس  نيكولاس مادورو , فلا لوم عليك لأن كل المسوغات التي قدمت لذلك لا تجتاز امتحان ضحكات ساخرة!” 

ليست تلك السياسة  وذلك الإجراء لمحاربة تدفق المخدرات للولايات المتحدة من فنزويلا لأنها ليست مصدرا للمخدرات للولايات المتحدة ولأن الرئيس ترامب قد أصدر عفوا كاملا عن رئيس هندوراس السابق الذي أدانته هيئة محلفين أمريكية سابقا بأنه مذنب بأرسال شحنات من  أطنان المخدرات لأمريكا مما يوضح بجلاء أن الحملة علي فنزويلا لا علاقة لها بالمخدرات بالإضافة إلي ذلك فإن وزارة العدل الأمريكية قد اعترفت مؤخرا بأن كارتل المخدرات المسمي “كارتل  دو لوس سولز” الذي ظلت إدارة ترامب تثغي بتكرار ذكره  بطريقة سخيفة بأنه أس البلاء وجالب المخدرات منطلقا من فنزويلا لا وجود له علي الحقيقة أصلاً! 

كذلك فإن القبض علي مادورو ليس فيه تحصين  وحماية للأمن الأمريكي لأن فنزويلا بلد ضعيف جداً وليس حليفاً لدولة  أو دول قوية تنافس الولايات المتحدة فالصين ليس لها قواعد عسكرية هناك وابرأن لم تنصب صواريخ هناك لضرب الولايات المتحدة وليس لفنزويلا قوات بحرية يعتد بها تعرقل طرق التجارة للولايات المتحدة وليس هناك أحد في الولايات المتحدة مستلق علي سريره يقظان مخافة خطر داهم ينزل عليه من  كاراكاس ,فنزويلا كما أنه ليس بيننا اليوم بعد القبض علي مادورو من صار يستمتع بالنوم لمجرد أن الرجل قد صار مصفداً في  الاغلال في سجن في بروكلين في نيويورك. 

كما أن الأمر ليس من أجل الديمقراطية هناك فإدارة ترامب لا تريد تنصيب زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماشادوس في السلطة بل ترغب في التعامل مع نائب مادورو والذي لا يزال حتي الآن شمولي التوجه ومتسلط. 

إن لم يكن هدف العملية برمتها في فنزويلا كل الذي ذكرنا: لا هو إزالة خطر المخدرات و لا هو  إزالة مخاطر أمنية وشيكة علي أمريكا فما هو ؟ ويتساءل :يمكن الهدف هو الاستحواذ علي البترول؟ أليس كذلك؟ لقد ظل دونالد ترامب يعيد ويكرر أن أمريكا ستستحوذ علي البترول وأن الشركات الأمريكية في طريقها إلي هناك وأن ذلك سيجعل أمريكا  الدولة الأعظم بحق. يقول وولت ذلك خطأ وليس صحيحا وأن بإمكان  ترامب أن يعتقد ما يشاء. لقد قال مفاخرا أن فنزويلا وافقت علي منح الولايات المتحدة 50 مليون برميل من البترول ويبدو ذلك رائعا إن لم تعلم أن كل ذلك يساوي أقل   من انتاج أمريكا لنفطها في ظرف أقل من  أربعة أيام. يقول ترامب إنه سيسيطر علي مبيعات البترول لمساعدة الاقتصاد الفنزويلي, وإذا صدقت ذلك فأنت لا تعرف طبيعة الرجل العدوانية . ولو صح في النهاية أن المبيعات تلك ستوفر تلك المبالغ لمساعدة الاقتصاد في فنزويلا فأنها ستكون بمثابة خدش خارجي علي  جذار ما تريده فنزويلا لبناء اقتصادها. 

نعم صحيح أن فنزويلا تملك أكبر احتياطي للنفط في العالم لكن خامه من النوع الثقيل واعتصار مادته صعب كما أن  تكريره  باهظ الثمن وبصراحة فإن خام فنزويلا وهو بهذا الوصف آخر ما يفكر في استخراجه مستثمر جاد ضف إلي ذلك خطورة الأوضاع في فنزويلا مع  صعوبة فك شفرات بنيات الإنتاج المحلية ومع ذلك كله فالعالم يشهد تدنياً في أسعار النفط  الخام في هذه الأيام ولو أن معجزة حققت ريعاً من ذلك النفط ووصلت شحناته إلي الأسواق العالمية, فسينتج عن ذلك المزيد من تخفيض أسعار البترول المتدنية أصلاً وقد يسبب ذلك  خروج المستخرجين المتنافسين الأمريكيين من عالم المنافسة والأعمال بالكامل . ويستدعي هنا إفادات الاقتصادي الأمريكي المعروف بول كروقمان والتي أخذها الأخير من  إدارة معلومات الطاقة الحكومية الرسمية والتي قالت أيضا إن سعر برميل البترول انخفض انخفاضاً تاريخيا من 180 دولار  في عام 2008 إلي 60 دولارا فقط اليوم وبالتالي يقول كروقمان  إن ترامب لا يباهي بالحصول علي بترول وانما تلك مباهاة ب (فانطازيا البترول). وكرر مدراء شركات البترول الأمريكية العملاقة الذين استدعاهم ترامب للبيت الأبيض صباح الجمعة أمس 9 يناير 2026 ذات الصعوبات والاشكالات المصاحبة للإفادة من نفط فنزويلا ومنها تخاف البني التحتية لصناعة البترول هناك وأبدوا عدم حماسة  للتوجه ‘لي هناك مما جعل الرئيس ترامب للقول بانه سيختار الشركات التي ستعمل هناك. وكتبت هيئة الإذاعة والتلفزة العمومية علي صفحتها العنكبوتية : يملك العالم حاليا نفطا وفيرا فهل ترغب شركاته الذهاب إلي فنزويلا؟ وأوردت تقريرا لشركة بحثية مستقلة اسمها ريستاد للطاقة يقول إن إصلاح البني التحتية لصناعة النفط في فنزويلا تحتاج لحوالي 180 بليون دولار ولعقد كامل من الزمن ليصل سقف الإنتاج الي مستوي انتاج فنزويلا في تسعينات القرن الماضي لمضاعفته ثلاثة أضعاف من مستواه اليوم والبالغ مليون برميل في اليوم. وجاءت تقارير مماثلة لذلك في الفاينانشيال تايمز ورويتر وغيرها. وكتبت نيويورك أكثر من مقالة علي استخدام الصين الواسع للبدائل الجديدة للطاقة كالشمسية والمستخرجة من الرياح في الداخل وفي افريقيا ابتدارا لحقب جديدة يتلاشي فيها دور الزيت كمصدر للطاقة. 

يخلص السيد وولت من ذلك  إلي القول مخاطبا القارئ : إذن وفي ضوء ما تقدم قإن الالتباس وصعوبة معرفتك للدوافع الحقيقية في سياسة إدارة ترامب تجاه فنزويلا والتي دفعته للهجوم عليها  واختطاف رئيسها ,مبررة ومفهومة. والهدف الاستراتيجي الوحيد الذي أجده هو بصفة عامة إعادة هيمنة أمريكا علي النصف الغربي من العالم لأن ترامب يسعي لتمريك مناطقه باسمه ووضع كل ما يستطيع باسمه “مبدأ دونور” وقد بث بوضوح في استراتجية ادارته في الأمن القومي NSS. والمؤمن بالواقعية السياسية قد يستسيغ ذلك الفعل لكن النظرة الثاقبة لا تجد الأمر كذلك. فمبدأ أو قاعدة منرو هدفت لإبعاد القوي الكبرى المنافسة في أوروبا من أي وجود عسكري في محيطها هذا .ذلك آت أكله بعد قرن كامل حتي تحقق ما أسماه المؤرخ  سي فن وودورد  ” الأمن المجاني” للولايات المتحدة. لكن هذا مختلف عما أشار إليه “ترامب وشركاه ” لأنه لا يوجد وجود عسكري ضخم لأي قوي عظمي اليوم في محيط الولايات المتحدة في النصف الغربي من العالم بل ولا توجد محاولات لفعل ذلك الوجود. لكن وكما تقول وثيقة الأمن القومي للإدارة الحالية فإن إدارة ترامب تريد ارغام جيرانها علي الإذعان لكل ما تريد  وبخصوص أي أمر يطرأ وهذا عين ما يقولون لخلفاء مادورو في كراكاس:” أعطنا ما نريد وإلا سوف تري”. ويأملون أن تلتقط الدول في الجوار ذات الرسالة. علي طريقة “دق القراف خلي الجمل يخاف”! 

وبالخصوص فإن الإدارة تريد أن تملي سياساتها الاقتصادية علي دول الإقليم وتملك حق الفيتو علي الدول التي تحقق نجاحات اقتصادية خارج الفضاء الغربي, تريد أمريكا حق أن ترفض ذلك وحرمان تلك الدول حرية التعامل المربح لها مع دول خارج المنطقة كالصين مثلا. تقول وثيقة “الأمن القومي” نريد فضاء  خال من أي  منافسين معادين يزيدون نفوذهم في هذا الإقليم.” ولأن الإدارة تدرك أن كثيرا من البلدان في الإقليم تبحث عن شركاء اقتصاديين بأسعار أرخص وشروط أخف تقول وثيقة الأمن القومي ” سوف نسعي لحث أولئك لرفض مساعدات “أولئك الشركاء. يعلق  وولت :ولأن طريقة ترامب عدائية وأنها ترفض تقديم مساعدات  وأنها تحصل في معاملاتها الثنائية علي نصيب الأسد فإنها ستلجأ لسياسة التهديد للحصول علي ما تريد. 

ثم عدد مخاطر هذه السياسة مشيرا إلي منع دول أمريكا اللاتينية من قبول بضاعة الصين الزهيدة الثمن أو مساعداتها في مشروعات البنية التحتية ذلك يقول سيجعل أمريكا ملزمة بتوفير بدائل لها وأن نتيجة ذلك صعوبات اقتصادية في تلك البلدان وحوافز للهجرة إلي أمريكا المشغولة حاليا بملاحقة وطرد من وصلوا إليها من هناك وسينتج عن ذلك عدم استقرار في الإقليم لا نظير له وعداء مستحكم للولايات المتحدة الأمريكية . ذلك عكس سياسة أمريكية الأريحية في أوروبا وفي اليابان  بعد الحرب العالمية الثانية والتي ساعدت حتي أعدائها في النمو والتقدم  ولئن الأريحية ليست في قاموس نرامب وفي قاموس مستشاريه أمثال استيفن ميللر ,رئيس طاقم الموظفين في البيت الأبيض, الذي يصفه بأنه  لم يستوعب عبر التاريخ فيما حاق بالقيادات التي مارست ” قانون الحديد” الذي يدعو لاعتماده مع الدول, كوسيلة مثلي لتحقيق الرغبات من كرب ومشكلات وما  قد أحدثوا من الأفعال القميئة الغبية.  

وتكاد  النخب تجمع علي خطورة سياسة غزو الدول وفي الذهن تبعات ما حاق بالعراق وأفغانستان وليبيا وتركة ذلك من اصعاف وزيادة معاناة مواطنيها من الفوضى وانفراط عقد النظام فيها وتمزيق أنسجتها الاجتماعية فضلا عن تجاوز النظام الدولي بقانونه ومؤسساته التي أسهمت أمريكا في صناعتها. وحول تهديد دول ديمقراطية ككولمبيا والمكسيك واقتطاع قرينلاند من دولة حليفة هي مملكة الدنمارك ترتفع أصوات جمهورية محافظة من حزب الرئيس , الحزب الجمهوري, بأن ذلك خطأ فادح يحمل عواقب وخيمة علي الأمن والسلم الدوليين. 

وعلي العموم فإن استطلاعات الراي العام الأمريكي لا زالت تشير إلي أن الأغلبية ضد غزو فنزويلا وضد اختطاف رئيسها لكن تبقي حقيقة أن أغلبية الناخبين في الحزب الجمهوري مؤيدة لسياسات ترامب الخارجية من باب الولاء الحزبي خاصة في ظل استقطاب غير مسبوق بين الحزبين الرئيسيين. لكن لوحظت تحفظات واضحة من النخب المحافظة ومراكز أبحاثها كمعهد المشروع الأمريكي (ُِAEI) وكتاب الرأي في وول استريت جيرنال المحافظة يعترضون علي عزل الحلفاء  واهمال التعاون المتعدد في العلاقاتا لدولية  وأن ذلك من شأنه أن يجعل أمريكا أقل أمناً ويضعف دورها الدولي.  فقد انتقد نائب ترامب السابق  مايك بنس في لقاء تلفزيون فكرة ضم قرينلاند وكذلك أصدر رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السابق , السناتور ميتش مكالم تصريحا انتقد فكرة ضمها بالقوة .هناك أيضا المحافظون الذين أيدوا شعار ترامب الانتخابي (أمريكا أولا) ويرون أن الرئيس قد حاد عن جادة ذلك الشعار. 

وكما ترون فإن رمال العالم متحركة ونذر الفوضى في العلاقات الدولية ماثلة وبوادر التنمر علي الضعفاء شاخصة تستدعي التحسب والدراسة وعمل الازم قبل فوات الأمان. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى