كلام من اتجاه واحد
بقلم: د. عبدالماجد هارون عبدالماجد
حين يشتد غبار الصراع وتتلاطم أمواج الخصومة السياسية يصبح الانحياز إلى اللحظة الإنسانية واجبا أخلاقيا يتقدم على كل حسابات الربح والخسارة. إن الوقوف خارج حلبة السياسة المشتعلة بالجدل العقيم منذ قبل فجر الاستقلال يتيح للعين أن ترى المشهد على حقيقته مجردا من تجميل الشعارات فيبدو الوطن كلوحة تمزقت أطرافها وتناثرت خطوطها الاجتماعية في مهب الريح. في الحقيقة إن أكبر مآسي هذه الحرب لا تُقاس فقط بمدى الدمار المادي أو تراجع الأرقام الاقتصادية بل تُقاس بذلك الضمور الوجداني الذي أصاب النسيج الاجتماعي كما تقاس أيضا بالشرخ العميق الذي أصاب فكرة العيش المشترك في صميمها.
لقد دفعت الحرب مجتمعنا نحو نوع من الاستقطاب الوجودي حيث تحولت الروافد الثقافية والاجتماعية التي كانت مصدر ثراء وتنوع، إلى منصات للمحاكمة والارتياب المتبادل. لقد فقدنا خلال هذه الحرب المجال الحيوي للأمان النفسي وهو الأثر الأخطر الذي يحتاج ترميمه إلى أجيال وأجيال . لقد بدلت الحرب ملامحنا الإنسانية مريع وذلك بعد أن شاهدنا وأمام اعيننا كيف يتم التبسط في سفك الدماء، واستباحة الجوار، وتفكيك العرى العائلية والاجتماعية ما أسفر عنه سيولة أخلاقية تجعل من إعادة بناء العقد الاجتماعي القائم بيننا بعد انطفاء الحريق أمراً بالغ الصعوبة، لذلك لابد في هذه المرحلة من إرادة وطنية جامعة تُعلي من قيمة الإنسان وتسترد له كرامته السليبة.
تتجلى المفارقة الموجعه عند التأمل في هذا المشهد في تلك اللغة الجريئة التي تطالعنا بها الخطابات السياسية من خلف الاسوار وهي تبكي الوطن بحرقة مصطنعه، بينما هي ذاتها تشارك عملياً في ذبحه أو الاستثمار في مأساته. إنها دموع زائفة تُذرف في محافل المزايدة وهي ليست لترميم الجراح بل لتغطية العري الأخلاقي والهروب من المساءلة التاريخية. إن هذا الانفصال التام بين ادعاء البكاء على الشعب وبين الإصرار على إحراقه، هو تجسيد حي للمتاجرة بالمأساة، حيث تُستبدل معاناة الضحايا بأوراق تفاوضية في بازار المصالح الضيقة والمشاريع العابرة للحدود.
إن المستقبل الاجتماعي لبلدنا يتوقف على قدرتنا على تجاوز هذه اللحظة العدمية، ومغادرة مربع التشفي والاستقطاب لأن حماية ما تبقى من الكيان الوطني لا تتطلب فقط استعادة أدوار الآليات الوطنية الجامعة وحماية المؤسسات السيادية الداعمة لكيان الدولة، بل تتطلب بالقدر ذاته خوض معركة فكرية وأخلاقية لاستعادة السكينة الاجتماعية، فالعبور نحو الغد يستلزم صياغة مشروع وطني يُعيد تعريف العلاقه بين المكونات الوطنية على أُسس المواطنة الناجزة والتضامن الإنساني، بعيداً عن أوهام الغلبة أو صفقات الهيمنة الفئوية.
إن معركة ترميم وجدان الأمة هي معركة مقدسة قوامها نقاء طوية الناس وصدق المقصد فالوطن لا يُرمم بالدموع التي تُسكب على منابر التجاذب السياسي، بل يُبنى بالصدق مع النفس، وبالاعتراف الصريح بحجم المأساة، وبالإصرار على حماية الإنسان السوداني كقيمة عليا فوق كل الخلافات. إن البكاء الحقيقي على الوطن هو ذلك الذي يتحول إلى فعل بَنّاء يلملم الشتات، ويُضمد الجراح، ويغرس في أرضنا المجهدة بذور معافاة شاملة تُعيد للوجدان السوداني اتساقه، وللروح الوطنية ألقها واستقرارها.