خيارات الخليج بين فوضى إيران وهيمنة إسرائيل

فيما ارى

عادل الباز

1

تجد دول الخليج اليوم نفسها في وضع بالغ التعقيد، فهي بين عدو يتربص بها استراتيجيًا ويحاول جرها إلى المعركة، وهي إسرائيل، وبين جار جعل أراضيها أرضًا للمعركة دون أن يكونوا طرفًا مباشرًا فيها. والآن لا هي قادرة على وقف المخططات الاستراتيجية التي تستهدف تغيير وجه الشرق الأوسط، ولا قادرة على إيقاف استهدافها من إيران، لأنها غير راغبة حتى في الدخول في الصراع بشكل مباشر، رغم العدوان الإيراني، خشية الدخول في صراع يفجر المنطقة ويزيدها اشتعالًا.

فالدخول في الحرب مباشرة الآن مع إيران يعني أنها أصبحت جزءًا من الصراع ضد إيران ولمصلحة أمريكا وإسرائيل، وتدخلها سيصب في مصلحة إسرائيل مباشرة، وهي تعي أن هذه الحرب هي حرب إسرائيل بامتياز.

المأزق أنها إذا بقيت صامتة بلا ردة فعل وهي تشاهد أمنها القومي يتعرض لاختراق كبير، فهناك أيضًا مخاوف من تدمير بنيتها الاقتصادية، وخاصة تلك المتعلقة بالصناعات النفطية، مما يقود إلى كارثة اقتصادية بتهديد الموارد الرئيسية لاقتصادها.

2

إذا كانت هذه صورة الواقع الراهن وتحدياته ومخاطره، فإن خيارات المستقبل في دول الخليج تصبح أشد قتامة. ففي الصراعات الكبرى لا تُحسب الأرباح والخسائر بما يجري في الوقت الراهن فحسب، إنما بما قد يجري في المستقبل أيضًا.

خيارات دول الخليج تفرضها ثلاثة سيناريوهات، لترسم ثلاثة خيارات…

السيناريو الأول: أن تخرج إيران منتصرة في هذه الحرب، لا بمعنى نصر عسكري تحققه إيران على أمريكا، إذ إنه بمعدلات أوزان القوة الحالية فذلك مستحيل، ولكن منتصرة بمعنى أن تبقى إيران كدولة متماسكة وموحدة، وبالنظام نفسه، ومحتفظة بقدرات عسكرية اضعف.

يعني ذلك أن الأوضاع تعود إلى سابق عهدها قبل الحرب، وإن كانت إيران ستكون أضعف قليلًا.

هذا السيناريو لا يزيل مخاوف دول الخليج، إذ سيظل التهديد الأمني والعسكري الإيراني فوق الرؤوس. ولكن هذا السيناريو يرتب خيارات، منها الاتجاه لتأسيس منظومة دفاع مشترك على غرار الناتو بين دول مجلس التعاون الخليجي، أو اللجوء إلى تحالفات دولية خارج منظومة دول الخليج (تركيا / باكستان وربما مصر التي قد تشعر أن التهديد الإسرائيلي ليس بعيدًا عنها). كما سيؤدي إلى ماراثون سباق تسلح رهيب لحفظ أمن دول الخليج.

3

السيناريو الثاني: أن تؤدي الحرب الحالية إلى تغيير النظام ويأتي نظام صنعية أمريكية–إسرائيلية، أي أنه خاضع بالكامل للأجندة الصهيونية. فيصبح لإسرائيل وجود وقواعد في خاصرة دول الخليج، ومسيطرة على مقدرات دولة مثل إيران.

سيناريو مرعب؛ يمكن تخيل حجم الابتزاز الذي يمكن أن تتعرض له دول الخليج من إسرائيل، ومستوى الاختراق الذي يمكن أن يحدث لأمنها، خاصة أن هناك دولة حليفة أصلًا لإسرائيل تعمل كحصان طروادة داخل منظومة دول الخليج نفسها، وتعتنق الديانة الإبراهيمية الجديدة.

هذا السيناريو، إذا تحقق، فإن دول الخليج ستكون بحاجة إلى ترتيب تحالف أوسع من منظومة مجلس التعاون الخليجي، باللجوء إلى تحالفات خارج منظومة دول الخليج (تركيا / باكستان وربما مصر التي قد تشعر أن التهديد الإسرائيلي ليس بعيدًا عنها).

هذا السيناريو سيطلق سباق تسلح رهيب لحفظ أمن دول الخليج.

4

السيناريو الثالث: يمكن تسميته سيناريو الفوضى، بمعنى أن تبدأ حرب الكل ضد الكل في إيران. وللأسف، هذا السيناريو بدأ تنفيذه بتحرك العصابات الكردية على الحدود الغربية.

بالأمس أوردت رويترز خبرًا بأن قوة من ألف كردي تستعد لشن هجوم على مناطق في غرب إيران بغطاء جوي كامل من التحالف الإسرائيلي–الأمريكي. سيجر هذا الصراع بقية القوميات في إيران، فتحدث فوضى واضطرابات، وهي الضربات التي تخطط لها إسرائيل لتحويل إيران إلى دولة فاشلة تعمها الفوضى.لهذا السبب قد لا يكون السؤال الحقيقي أمام دول الخليج هو كيفية إسقاط النظام الإيراني، بل كيف يمكن منع انهيار الدولة الإيرانية نفسها.

وإذا حدث انهيار  الدولة في إيران عشوائيًا وعمت الفوضى، فإن دول الخليج ستواجه وضعًا كارثيًا، إذ إن الملايين قد يتدفقون إلى منطقة الخليج (إيران نحو 93 مليون نسمة)، وليس هناك مصدّات أو كوابح تمنع تدفق اللاجئين بالملايين إلى أغلب الدول الخليجية عبر البر والبحر. وقتها لن يستطيع أحد التنبؤ بمستقبل الخليج كله.قد يكون من المفيد لدول الخليج أن تدرك أن الصراع الدائر اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل، بل هو في جوهره صراع على شكل النظام الإقليمي القادم في الشرق الأوسط. فكل طرف يسعى لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة بما يضمن له النفوذ الاستراتيجي لعقود قادمة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح الدول التي لا تملك رؤية استراتيجية واضحة عرضة لأن تتحول من لاعب إلى مجرد ساحة للصراع.

5

في تقديري أن السيناريو الذي يمكن أن ينتج أقل الخيارات سوءًا وضررًا هو أن تساهم دول الخليج في إيجاد مخرج دبلوماسي مع أمريكا، وترامب تحديدًا، للإبقاء على النظام الحالي متماسكًا ولكن في حالة ضعف لا تمكنه لعقود قادمة من تهديد جيرانه، ويمكنها بعد ذلك التعامل معه والسيطرة عليه بطرق سلسة اقتصاديًا وسياسيًا. هذا السيناريو يمنع انزلاق إيران إلى الفوضى، ويمنع سيطرة إسرائيل من الاستحواذ على السلطة والنفوذ في إيران بواسطة عملائها.في مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكون السؤال: من سينتصر في الحرب؟ بل من سينجح في تجنب أن يصبح ضحية لنتائجها.

Exit mobile version