رأي

خلف ستار الهدنة: قراءة في الوثيقة المسربة

فيما ارى

عادل الباز

١
في دهاليز السياسة المعقدة، غالباً ما تكون الوثائق المسربة هي الشعلة التي تضيء جوانب مظلمة، أو ربما الفخ الذي يُنصب في طريق السلام. الوثيقة الأخيرة التي تحمل عنوان “استعادة السلام في السودان” ليست استثناءً، بل هي مرآة تعكس صراع الإرادات وتكشف عن فخاخ محتملة قد تعصف بمستقبل السودان. حين تسربت الوثيقة الأولى من نيفاشا، وكانت عبارة عن رسالة من الأستاذ علي عثمان إلى جون قرنق، ذهبت إلى الأستاذ علي عثمان – حياه الغمام – وسألته: “هل هذا موقف الحكومة النهائي أم أنه موقف تفاوضي؟” بعد شرح طويل لمرتكزات الوثيقة، قال لي إنها مجرد موقف تفاوضي، وسألني عن غرضي من السؤال. فقلت له: “إذا كان موقفاً تفاوضياً فهناك إمكانية لنجاح المفاوضات، أما إذا كنتم مصرين عليها كخط نهائي في التفاوض، فأرجو ألا تضيعوا زمنكم في تفاوض لن يصل إلى شيء.”
٢
بعد أن قرأت الوثيقة المسربة امس و التي تحمل عنوان “*استعادة السلام في السودان”، وجدت نفسي أكرر ذات السؤال: هل هذا الموقف الذي قدمته الحكومة رداً على المقترحات الأمريكية هو موقف تفاوضي أم أنه نهائي؟ فإذا كان موقفاً تفاوضياً، “فالرماد كال حماد”، وإذا كان موقفاً نهائياً وتم قبوله من أمريكا، فسنكون على أعتاب عملية سلام حقيقية. *لماذا وكيف؟*
٣
*فخاخ الوثيقة: تحليل نقاط في المسارات الخمسة*
الرد الحكومي الذي عبرت عنه الوثيقة المسربة حمل في كل مساراته الخمسة ما لا يمكن التراجع عنه؛ بل إن التراجع عنه سيفجر تحالف المجموعات الملتفة حول الجيش، سواء المستنفرين أو القوات المشتركة أو كتائب الإسلاميين، وحتى الجيش نفسه لن يقبل بالتراجع في أي مسار من المسارات الخمسة. وأي محاولة لتجاوزها لتمرير تعديلات على الوثيقة تعني أن الهدنة والساعين إليها قد نجحوا في نسف وحدة الشعب والفصائل، وجعلوا الجيش وحده في مهب الريح.
من ناحية أخرى، إذا كان الجيش صامداً في موقفه المعلن في ثنايا الوثيقة، يعني ذلك أنه سيحافظ على وحدته. وتلك الوثيقة ما دامت قد خرجت للعلن، فهنالك احتمال أنها جاءت نتيجة عملية تفاوضية سرية طويلة حظيت بقبول أطراف المجتمع الدولي، كما حظيت بموافقة أطراف حرب الكرامة، وبعد هذا التوافق تم تسريبها. أو أنه تم تسريبها من قبل طرف قرر تفجير الأوضاع، إذ إن المتوقع أن المليشيا لن ترضى وكذلك حلفاؤها، كما عبر عن ذلك خالد عمر سلك في مقاله بالأمس.

*سقوف تفاوضية متدنية: لماذا؟*
هذه الوثيقة تعبر عن موقف تفاوضي بسقوف متدنية، فكان من الأوفق أن ترفع الحكومة سقفها إلى أقصى حد ممكن حتى تكسب نقاطاً على الطاولة. مثلاً، لا يوجد ذكر لجرائم المليشيا في الوثيقة، إذ يجب ألا تترك الحكومة المليشيا تهرب بجرائمها؛ فكيف يمكن أن تساهم مليشيا في تدمير بلد وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتدمير البنى التحتية، ويظل قادتها يتربعون في سدتها يفاوضون للرجوع إلى الساحة مرة أخرى؟
كان يمكن أيضاً وضع بند حول التعويضات. هل يمكن أن يُسمح للمليشيا وداعميها أن يتسببوا في كل هذا الدمار والقتل ولا يدفعوا مليماً للإعمار ولا حتى دية؟ وهكذا كان يمكن وضع بنود كثيرة ترفع بها الحكومة سقفها التفاوضي، ولا أعرف لماذا تضع الحكومة الحد الأدنى الذي لا يمكن التراجع عنه وتفاوض عليه! *أيعقل هذا؟*
*نقاط جوهرية في الوثيقة*:
ما يعنيني في هذا المقال النظر في خمس نقاط توزعت على أربعة مسارات في الوثيقة:
6.1 *المسار الأول: هدنة إنسانية*
(انسحاب المليشيات من جميع المدن التي احتلتها منذ 11 مايو 2023م، بما في ذلك المناطق المبينة في الجدول المرفق كجزء من إجراءات بناء الثقة ولخلق بيئة مناسبة لوقف إطلاق النار الدائم).
هذه النقطة هي العقدة الأساسية الآن في تقدم أي مفاوضات؛ إذ إنه لن يقبل المتمردون بالانسحاب من المدن لأن ذلك يعني اعترافاً بالهزيمة، وهي النهاية الفعلية للتمرد وداعميه. ورطة التمرد أنه وافق على ذلك في إعلان جدة بشهادة العالم والوسطاء الأمريكيين، ولذا لن يستطيع تبرير بقائه في المدن، كما لا يمكن أن تقبل القوات المشتركة بقاءه في المدن يسوم أهلها العذاب. كان هناك مقترح أن يخرج الجيش والمليشيا من المدن وترك حفظ الأمن للشرطة وإدارة مدنية تعينها الدولة، ولكن هذا أيضاً لن تقبله المليشيا. بند انسحاب المليشيا من المدن غير قابل للتفاوض، وهو من أكثر البنود التي تتمسك بها الحكومة وتعهدت به ألف مرة أمام الشعب.

6.2 *استخدام الهدنة للتفاوض*
بند آخر ينص على: (استخدام الهدنة للتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، والشروع في انتقال سلمي بقيادة مدنية وفقاً لخارطة طريق متفق عليها).
استوقفتني في البند عبارة “وفقاً لخارطة طريق متفق عليها”؛ متفق عليها بين من ومن؟ بين القوى السياسية التي لسنوات لم تتفق على أي شيء حتى في المعسكر الواحد وظلت تتشظى باستمرار؟ الآن في هذا التفاوض المقترح والذي هو بوابة للسلطة والجاه والغنائم، سيصبح الحصول على نتائج من تفاوض “خيالات المآتة” مستحيلاً، وسننتظر سنوات كي يتفقوا، أو بالأحرى سننتظر غودو!

6.3 *مسار العملية السياسية والحوكمة*: إقصاء وتساوٍ ظالم في مسار العملية السياسية والحوكمة*، أقرأ هذا البند العجيب والذي ينص على: (*ضمان خلو الحوار والعملية السياسية من جماعات التطرف العنيف ومن ارتكبوا الفظائع من المليشيات المتمردة*). من هم جماعات التطرف العنيف؟ ما يتبادر للذهن أنهم الإسلاميون، وهنا تمت مساواة الذين قاتلوا المليشيا بالمليشيا المتمردة نفسها. والرسالة الخطيرة هنا: إذا قاتلت مع المليشيا أو مع الدولة فأنت خارج اللعبة السياسية وليس لك الحق في مستقبل البلد؛ المطلوب من الإسلاميين أن يستشهدوا ولا يكونوا شهوداً على عرس الوطن! هذا طرحٌ مثير للاستغراب.
بالطبع مفهوم أن هذا البند وُضع استرضاءً لجهات محددة كان ذلك مطلبها الدائم في وثيقة الرباعية وغيرها، ولكن كان الأفضل أن يوضع استبعاد الإسلاميين – وهم لا يستحقون هذا التوصيف ولا الاستبعاد – مقابل استبعاد المليشيات وحلفائها. ليس عدلاً أن يبقى حلفاء المليشيا على طاولة التفاوض على مصير البلد ويُستبعد حلفاء الجيش! هذا منطقٌ مريب، وهو بالتأكيد ليس لمصلحة الجيش ولا مصلحة الفترة الانتقالية. وقد تمت تجربة هذه الفكرة الإقصائية مرتين بعد التغيير وفي أثناء الإطاري، فماذا كان الحصاد؟ لماذا نكرر ذات الفكرة ونتوقع نتائج مختلفة.

6.4 *حوار وطني شامل: أماني أم واقع؟*
بند آخر في مسار الحوكمة والعملية السياسية ينص على:
(إطلاق حوار وطني شامل داخل السودان بقيادة مدنية تحت إشراف الأمم المتحدة، ينتج عن ذلك حكومة مدنية انتقالية، وإطلاق عملية سياسية سودانية لتحقيق تسوية سياسية شاملة، سودان موحد تحت حكم مدني ومؤسسات دولة بقيادة مدنية، إنشاء حكومة مدنية انتقالية لتنفيذ مخرجات الحوار، والإشراف على انتخابات حرة وضمان العدالة والمساءلة).
هذا بند ممتاز، ولكنه من باب الأماني العذبة. بصراحة، أي عاقل ينتظر من 70 حزباً من “تجمعات النخب المعزولة” أن تتفق على حكومة مدنية، وهم الذين عجزوا عن الاتفاق على أبسط الأمور في تلك الورش الفارغة؟ وفي جانب آخر، هل يعقل انتظار أحزاب الشتات التي تعتاش على الخارج أن تقبل بحكومة مدنية لا تمنحها إلا نصيباً محدوداً يتناسب مع حجمها الضئيل؟ ومن سيقبل بمعادلة مختلة؟ الجيش نفسه لن يقبل بحكومة مسيطر عليها من الخارج بواسطة شلة “القحاتة”! ده كلام فارغ ولعب في زمن الوطن الضائع.
٤
*طريق واحد لإنهاء العبث*
هناك طريق واحد لإنهاء هذه الفترة الانتقالية العبثية، وهو أن يحزم الجيش أمره، ويعلن أن الشرعية تستمد من الشعب، وأن الطريق الوحيد للسلطة هو الانتخابات، ويحدد زمناً للفترة الانتقالية تستعد فيه القوى السياسية والطامعون في السلطة للانتخابات التي ستجرى في وقتها المحدد بإشراف دولي وإقليمي، ومن يمنحه الشعب ثقته يستلم السلطة ويعود الجيش لثكناته. هذا هو السيناريو الواقعي والممكن، ما عداه إضاعة لوقت الوطن ومزيد من الضياع لإنسانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى