نعمان يوسف محمد **
في المقالات السابقة من هذه السلسلة، انتقلنا من إدارة الأسرة لدخلها في زمن التضخم، إلى بناء قدرتها المالية، ثم إلى الإنتاج، فالتمويل، ثم إلى المشروع الصغير باعتباره وسيلة لتحويل الفكرة والمهارة والموارد إلى دخل مستدام.
لكن المشروع الصغير، مهما كان ناجحا، يظل محدود القدرة إذا عمل منفردا. فالمنتج الصغير يشتري بكميات محدودة، فيدفع تكلفة أعلى. وينتج بكميات محدودة، فيواجه صعوبة في الوصول إلى الأسواق الكبيرة. ويحتاج إلى تمويل وخدمات ومعلومات قد يصعب عليه الحصول عليها بمفرده.
هنا تظهر قيمة التعاون. فما يعجز عنه الفرد أحيانا، تستطيع مجموعة من الأفراد أن تحققه عندما تجمع مواردها وقدراتها ومصالحها. ومن هذه الفكرة نشأت التعاونيات بوصفها واحدة من أقدم الأدوات الاقتصادية التي تقوم على تحويل القدرات الصغيرة إلى قوة جماعية.
التعاون ليس مجرد تجمع للأفراد:
التعاونية ليست مجرد مجموعة أشخاص يتفقون على العمل معا. بل تأتي قوتها الحقيقية من تحويل التعاون إلى نظام اقتصادي منظم، له أعضاء ومساهمات وحقوق وواجبات وإدارة وهدف اقتصادي واضح. فعندما تعمل التعاونية بصورة جيدة، تستطيع أن تخفض التكلفة، وتحسن القدرة على التفاوض، وتوسع الوصول إلى الأسواق، وتساعد الأعضاء على الحصول على التمويل والخدمات التي يصعب عليهم الوصول إليها بصورة فردية. مما يجعل التعاونيات ذات أهمية خاصة في اقتصاد التعافي، حيث تتوزع الموارد والقدرات بين عدد كبير من الأسر والمنتجين الصغار.
تجميع المدخرات الصغيرة:
أولى نقاط القوة التي يمكن أن تبدأ منها التعاونية هي الادخار. فقد لا تستطيع الأسرة أن تدخر مبلغا كبيرا بمفردها، لكن انتظام عدد كبير من الأعضاء في ادخار مبالغ صغيرة يمكن أن يكوّن موردا ماليا معتبرا. ويمكن لهذه المدخرات أن تستخدم في تمويل احتياجات الأعضاء وفق النظام واللوائح المعتمدة، أو كقاعدة للحصول على تمويل أكبر من المؤسسات المالية، أو للاستثمار في نشاط إنتاجي مشترك.
وهنا تتحول المدخرات من أموال صغيرة متفرقة إلى رأس مال جماعي. والأهم أن ثقافة الادخار نفسها تصبح جزءا من بناء القدرة الاقتصادية للأعضاء. فالتعاون يبدأ أحيانا من مبلغ صغير يتكرر بانتظام، وليس من رأس مال ضخم.
الشراء الجماعي يخفض التكلفة:
المنتج الصغير يواجه مشكلة متكررة، تتمثل في شراء المدخلات بكميات محدودة وبأسعار التجزئة. لكن عندما تتجمع احتياجات عشرات أو مئات المنتجين، يمكن شراء المدخلات بكميات أكبر وبشروط أفضل، المزارعون يمكنهم شراء البذور والأسمدة والأدوات بصورة جماعية، أصحاب الورش يمكنهم شراء المواد الخام بكميات أكبر وأصحاب المتاجر يمكنهم التفاوض مع الموردين بصورة جماعية.
وبهذه الطريقة تستطيع التعاونية تحقيق اقتصاديات الحجم حتى لو كان كل عضو مشروعا صغيرا. وهذا يعني أن التعاون لا يزيد القوة فقط، بل يمكن أن يخفض التكلفة مباشرة.
الإنتاج الجماعي يفتح فرصا جديدة:
لا يقتصر دور التعاونيات على شراء المدخلات. ويمكن أن تنتقل إلى الإنتاج المشترك، خصوصا في الأنشطة التي تحتاج إلى معدات أو بنية تحتية لا يستطيع المنتج الفردي تحمل تكلفتها. فقد تمتلك التعاونية آلة للتصنيع أو التعبئة أو التجفيف، يستخدمها الأعضاء وفق نظام محدد. وقد تنشئ مخزنا أو وحدة تبريد أو وسيلة نقل مشتركة. وقد تجمع منتجات الأعضاء في حجم يسمح لها بالتعامل مع مشترين أكبر. وهكذا يصبح الاستثمار الجماعي وسيلة لتوفير أصول وخدمات كانت خارج قدرة المشروع الفردي.
من منتج صغير إلى قوة تفاوضية:
السوق لا يعامل دائما المنتج الصغير بالطريقة نفسها التي يعامل بها المورد الكبير. فهو قد يبيع بسرعة لأنه يحتاج إلى السيولة، وقد يفتقر إلى المعلومات حول الأسعار، وقد لا يستطيع تخزين إنتاجه حتى تتحسن ظروف السوق. لكن عندما تتجمع المنتجات في كيان تعاوني، تصبح القدرة على التفاوض أكبر. حيث يمكن للتعاونية أن تجمع الإنتاج، وتحسن التخزين، وتختار وقت البيع، وتتفاوض مع المشترين على كميات أكبر. وهنا تنتقل التعاونية من مجرد تجميع الأشخاص إلى تجميع القوة الاقتصادية.
التسويق الجماعي يفتح السوق:
كثير من المشروعات الصغيرة لا تعاني من ضعف الإنتاج بقدر ما تعاني من ضعف الوصول إلى السوق. قد ينتج الحرفي سلعة جيدة، لكن لا يملك وسيلة للوصول إلى عملاء جدد. وقد ينتج المزارع محصولا جيدا، لكنه يبيع في سوق محلي محدود. وقد تنتج الأسرة منتجات منزلية جيدة، لكنها لا تملك علامة تجارية أو قناة توزيع. بينما التعاونية تستطيع أن تجمع هذه المنتجات تحت علامة أو نظام تسويقي واحد، وتوفر التغليف، والنقل، والترويج، والوصول إلى الأسواق الأكبر. وهنا تتحول عملية التسويق من عبء فردي إلى خدمة مشتركة.
التعاون يقلل المخاطر:
العمل الاقتصادي بطبيعته محفوف بالمخاطر: تذبذب الأسعار، وضعف الطلب، ومشكلات الإنتاج، وتكاليف النقل، والكوارث الطبيعية، وتقلبات السوق يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في المشروع الصغير. وعندما يعمل المنتج منفردا، يتحمل معظم هذه المخاطر وحده. أما التعاون فيسمح بتوزيع جزء من المخاطر بين عدد أكبر من الأعضاء. كما يمكن للتعاونية أن تبني احتياطيات مالية، أو تنشئ صناديق داخلية وفق الضوابط، أو تحصل على تأمين وخدمات مشتركة، أو تنوع مصادر الدخل. وهكذا لا يلغي التعاون المخاطر، لكنه يمكن أن يجعلها أكثر قابلية للإدارة.
التعاونيات والتمويل:
يمكن للتعاونيات أن تؤدي دورا مهما في تحسين العلاقة بين المنتجين والمؤسسات المالية. فالمصرف أو مؤسسة التمويل قد يجد صعوبة في التعامل مع عدد كبير من المنتجين الصغار بصورة منفردة. لكن وجود كيان تعاوني منظم يمكن أن يسهل الوصول إلى الأعضاء، وجمع البيانات، وتنظيم الطلبات، وتقديم الخدمات المالية. ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول التعاونية إلى مجرد وسيط للحصول على القروض. وإنما الأفضل أن يكون التمويل مرتبطا بنشاط اقتصادي واضح، مثل شراء المدخلات، أو تطوير الإنتاج، أو التخزين، أو التصنيع، أو التسويق. وبهذا يصبح التمويل جزءا من الدورة الاقتصادية للتعاونية وليس مجرد أموال يتم توزيعها على الأعضاء.
التعاونيات وسلاسل القيمة:
تزداد قيمة التعاونيات عندما ترتبط بسلاسل الإنتاج والتسويق. فيمكن لتعاونية زراعية أن تجمع المدخلات، وتوفر الخدمات الزراعية، وتجمع الإنتاج، وتوفر التخزين، وتتفاوض مع المصنع أو التاجر. كما يمكن لتعاونية حرفية أن تشتري المواد الخام، وتوفر المعدات المشتركة، وتجمع المنتجات، وتسوقها تحت علامة واحدة. ويمكن لتعاونيات النساء والشباب أن تحول الأنشطة المنزلية والفردية إلى مجموعات إنتاجية مرتبطة بالسوق. عندها تصبح التعاونية حلقة وصل بين المنتج الصغير وبقية الاقتصاد.
التكنولوجيا تعطي التعاونيات فرصة جديدة:
لم تعد التعاونية بحاجة إلى الاعتماد بالكامل على السجلات الورقية والعمليات اليدوية. فيمكن للتكنولوجيا أن تساعد في تسجيل الأعضاء، ومتابعة المدخرات، وإدارة المشتريات، وتسجيل الإنتاج، ومتابعة المخزون، والتسويق، والتحصيل، والمدفوعات. كما يمكن للمنصات الرقمية أن تربط المنتجين بالأسواق بصورة مباشرة، وتوفر معلومات عن الأسعار والطلب والموردين. وهذا يفتح المجال أمام نموذج جديد يمكن تسميته التعاونية الرقمية، حيث تستخدم الأدوات الحديثة لتقليل التكلفة وزيادة الشفافية وتحسين الإدارة.
التعاون لا ينجح بالنوايا وحدها:
التجارب التعاونية في كثير من المجتمعات تؤكد أن نجاح التعاونية لا يعتمد على الحماس وحده. فهي تحتاج إلى إدارة كفؤة، وحوكمة واضحة، وشفافية في الحسابات، وانضباط مالي، وتوزيع عادل للمنافع، وفصل واضح بين أموال الأعضاء وأموال التعاونية. كما تحتاج إلى اختيار نشاط اقتصادي قابل للحياة، وليس مجرد إنشاء كيان ثم البحث لاحقا عن نشاط. وأخطر ما يمكن أن يحدث للتعاونية هو أن تتحول إلى إطار اجتماعي بلا نشاط اقتصادي حقيقي، أو إلى وسيلة للحصول على التمويل دون بناء قدرة إنتاجية. لذلك يحتاج التعاون الناجح إلى اقتصاد جيد، وإدارة جيدة، وثقة بين الأعضاء.
من التعاون الاجتماعي إلى التعاون الاقتصادي:
في مرحلة التعافي، يمكن أن يتطور مفهوم التعاون من مجرد مساعدة اجتماعية متبادلة إلى شراكة اقتصادية منتجة. فالادخار المشترك يمكن أن يمول الاستثمار. والشراء المشترك يمكن أن يخفض التكلفة. والإنتاج المشترك يمكن أن يرفع الكفاءة. والتسويق المشترك يمكن أن يوسع السوق. والبيانات المشتركة يمكن أن تحسن الوصول إلى التمويل. وهكذا تصبح التعاونية أداة لتحويل الموارد الصغيرة إلى قوة اقتصادية أكبر.
السودان يحتاج إلى اقتصاد أكثر تعاونا:
بعد سنوات من الحرب والاضطراب الاقتصادي، سيواجه ملايين السودانيين تحديات تتعلق بالدخل والإنتاج والأسواق والتمويل. ولا يمكن حل هذه التحديات كلها بصورة فردية. وهناك مساحة واسعة للعمل الجماعي المنظم، خصوصا في الزراعة والحرف والخدمات والتجارة الصغيرة والإنتاج المنزلي وسلاسل القيمة المحلية. وقد تكون التعاونيات إحدى الأدوات التي تساعد على إعادة تنظيم هذه القدرات، بشرط أن تكون تعاونيات إنتاجية واقتصادية حقيقية، لا مجرد كيانات إدارية. فالهدف ليس زيادة عدد التعاونيات، وإنما زيادة عدد التعاونيات القادرة على خلق قيمة ودخل وفرص عمل.
القوة في جمع الصغير:
الفكرة الأساسية بسيطة: الفرد يملك موردا صغيرا، لكن الجماعة تستطيع أن تصنع موردا أكبر.
مدخر صغير + مدخر صغير + مدخر صغير = رأس مال جماعي.
شراء صغير + شراء صغير + شراء صغير = قدرة تفاوضية أكبر.
إنتاج صغير + إنتاج صغير + إنتاج صغير = كمية تجارية.
جهد تسويقي فردي + جهود أخرى = سوق أوسع.
وهكذا يمكن للتعاون أن يصنع ما لا يستطيع الفرد صنعه وحده. لكن القوة لا تأتي من العدد وحده، وإنما من حسن التنظيم والانضباط والحوكمة والثقة.
من المشروع الفردي إلى الاقتصاد الجماعي
بدأت هذه السلسلة من الأسرة، ثم انتقلت إلى الفرد والمهارة والإنتاج، ثم إلى التمويل والمشروع الصغير. والخطوة الطبيعية الآن هي إدراك أن المشروع لا يعيش وحده، وأن الاقتصاد لا يبنى من جزر منفصلة. فعندما تتعاون الأسر، وتقوى المشروعات الصغيرة، وترتبط بالمزارعين والموردين والأسواق والمؤسسات المالية، تبدأ شبكة اقتصادية جديدة في التشكل.
شبكة تجعل الموارد الصغيرة أكثر إنتاجية، وتخفض التكاليف، وتوسع الأسواق، وتوزع المخاطر، وتخلق فرصا جديدة. وهنا تتحول التعاونيات من مجرد شكل تنظيمي إلى أداة من أدوات التعافي الاقتصادي.
فالتعافي لا يحتاج فقط إلى رؤوس أموال كبيرة ومشروعات ضخمة؛ بل يحتاج أيضا إلى تنظيم القدرات الصغيرة المنتشرة في المجتمع. وعندما تتعاون القدرات الصغيرة، لا تكبر المشروعات فقط؛ بل يكبر الاقتصاد نفسه.
ومن هنا ننتقل في الحلقة القادمة إلى مستوى آخر من هذه المنظومة: سلاسل القيمة، وكيف يمكن أن ننتقل من إنتاج متفرق إلى اقتصاد يربط المزرعة بالمصنع، والمنتج بالسوق، والموارد بالقيمة المضافة.