حول خطاب قادة تأسيس في يوغندا: ماذا يُريد أن يقول؟
Mazin
عارف الصاوي
وصل محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع، هذا الأسبوع إلى العاصمة اليوغندية كمبالا، وهو يَرتدي ما يُعرَف في السودان باسم «الكونقولية»؛ قميص مُتعدِّدُ الألوان يَصنعه الحرفيون الأفارقة مخصّصاً للأجانب المُبتهجين بأفريقيا، والتقى بالرئيس اليوغندي يوري موسفيني. كانت زيارةً استثنائيةً بالفعل، تكبَّدَ فيها ووفدُه عناءَ السَّفر من بِقاع العالم المُختلفة. قال دقلو إنّ هذه الزيارة هي استجابةٌ لدعوةٍ من الرئيس اليوغندي يوري موسفيني، وإنهم لبّوا الدعوة بكامل طاقم حكومته، حتى أنهم اضطرّوا لتجاوز البرتوكولات التي تُوصي بأن لا يكون الرئيس ونائبه في مكانٍ واحدٍ أو غائبين معاً. لكنه استفادَ أيضاً من الزِّيارة في لَمِّ شمْلِ حكومته التي تفرَّقَتْ في المدن والعواصم بعد اجتماعات نيالا العام الماضي، والتقى بمُؤيّدين من الجالية السودانية في يوغندا، خاطبهم ومعظم طاقمه واحداً تلوَ الآخر. تحدَّثوا من القلب بلا رقيب، قالوا مخاوفهم وآمالهم، لكنهم ابتعدوا من واقع الحال، واحتالوا على التاريخ القديم والحديث، وتعثَّروا كثيراً في تقديم خطابٍ واضحٍ مُستقلٍّ يَشرَحُ قضيةً مُحدَّدةً جَمَعَتْ هذا التحالف، غير الاتفاق على ضرورة تدمير دولة 56 بالكامل، وبناء دولة جديدة وعلى أسس جديدة.
بدأ عمار أموم، الأمين العام للحركة الشعبية – قيادة الحلو – وعضو المجلس الرئاسي لتحالف تأسيس، حديثه بسؤال وأجاب عنه بنفسه؛ قال للحاضرين في كمبالا: لماذا أنتم مُشرَّدون ولاجئون هنا في يوغندا؟ كانت إجابته أنّ ذلك حدث بسبب «حكومة بورتسودان». أما اقتراحه للحلّ، فهو أن يؤيّد جميع أهل السودان مشروع تحالف تأسيس وأن يلتفّوا حوله.
لقد أوحى قادة تحالف تأسيس للناس بأن تحالفهم معنيٌّ بإعادة تأسيس السودان على أسس جديدة. لذلك رسموا حدود هذا التأسيس بعام الاستقلال 1956، وأصبحت عيوبُ دولة السودان منذ استقلالها هي شّماعة الدعم السريع؛ كلَّما ضعفت رواية الحرب على الإسلاميين باعتبارها القضية المركزية التي أعلنت الدعم السريع أنها تقاتل من أجلها، ولم تجد مانعاً من وقت إلى آخر بأن تربطها بمشروع دولة ما بعد الاستقلال، وأنّ الإسلاميين ما هم إلا امتداد لمشروع الدولة الوطنية الأول هذا، ويُشار إليه باسم «دولة 56». قال عمار أموم أمام حشد يوغندا، إنّ السودان أوّل دولة جنوب الصحراء تنالُ استقلالها، لكنه كان استقلالاً زائفاً ولم يُؤدِّ إلى الاستقرار السياسي.
لا يُريد عمار أموم، ولا أيّ سياسي يُردّد هذه الحجّة، أن يكون جزءاً من التاريخ. لم ينتمِ أموم إلى الحركة الشعبية، ولم يُشارِك في أيِّ شيء سوى أنه ضحية دولة 56! يُنكر حتى نضاله وعطاءَه لتحسين الحياة العامة وإنهاء التهميش على أهله. والآن يطرح أمامنا السيناريو الوحيد الذي يراه ملائماً للحفاظ على كيان دولة السودان، وهو الانضمام إلى مشروع تحالف تأسيس. وقد وَصَفَ موسى هلال في خطابٍ أمام أهله قبل أيام من اجتياح الدعم السريع لمستريحة مقرِّ شيخ المحاميد مثل هذا الفعل بـ«الفاشيّة». مع ذلك يقول عمار أموم، إنّ 99%، إن لم يكن 100%، من أهل الهامش يقفون مع مشروع تأسيس. يقصد بالهامش، كما شرح، الشرق والشمال والنيل الأزرق وكردفان ودارفور.
وقف محمد حسن التعايشي، ابن دولة 56 البارّ، ليُعلن أنه لأوَّل مرَّة في تاريخ السودان القديم والحديث، تتحالفُ قوى الريف، وهو يُشير إلى تحالف تأسيس. محض وجهة نظر يُحوِّلها التعايشي إلى إعلان، ويُريد من الناس أن يُصدّقوه ويؤمنوا به.
تشكَّل تاريخ السودان كّله، قديمه وحديثه، من تحالفات مُتعدِّدة، أساسُها القوى الريفية التي لم تكن، للمفارقة، على طول الوقت ضحيةً، وإنما تحالفت وانخرطت في أحايين كثيرة في العملية السياسية بتكتيكات وأساليب مختلفة. أسَّسَتْ هذه التحالفات لمحطات مُهمَّة في تطوُّر سودان اليوم. وأتاح لنا النظام التعليمي لدولة 56 معارفَ واسعة في التاريخ، فعرفنا أنّ دولة الفونج شُكِّلت من تحالف بين قبائل الفونج في جنوب شرق النيل الأزرق بقيادة عمارة دنقس وقبائل العبدلّاب بقيادة عبد الله جماع، وهزم هذا التحالف الممالك النوبية وأسَّس دولة سنار بنظام حكم في سنار وأربجي أشبه بالكونفيدرالية استمرّ من 1505 إلى 1821. يُعلِّمنا التاريخ أيضاً أنّ المهدي أنشأ حلفاً سياسياً واسعاً من الرِّيف ووصل به إلى الخرطوم وهزم الحكومة التركية، وأسَّس الدولة المهدية في 1885. ولو تأملتَ تجربة الإنقاذ قليلاً وبموضوعية، سترى أثر الريف الواضح، إمّا في المقاومة أو في التحالفات مع النظام. وفي كلتا الحالتين، شكّلت قوى الريف حركة مطلبية وظهر نفوذها حتى في تداول الحكم المحلي وهيكلته.
تعتمد نظرية تحالف تأسيس للتغيير، على نحوٍ أساسيٍّ، على إنكار كُلّ شيء جيّد حدث في الماضي، والسعي إلى تحطيم كلِّ شيء لمصلحة مشروع جديد يعجز قادتُه أنفسهم عن شرح ملامحه.
خلال خطاب محمد حمدان دقلو الطويل، أمام حشدٍ من الجالية السودانية في كمبالا، قال إنه شخصياً لا يعرف شيئاً اسمه الاستقلال، وإنه تمنّى لو استمرّ الإنقليز في حكم السودان. قال إنّ الرئيس البشير اتصل به في بداية تأسيس الدعم السريع، ناسياً أنه كان قد قال في حوار سابق، مع قناة سودانية 24، إنه هو من وَسَّط عبد الله مسار للوصول إلى الرئيس السابق عمر البشير. قال أيضاً إنّ علاقته توقّفت مع نظام البشير في العام 2017، عندما زار البشير مُحتجّاً على ارتفاع سعر الدولار. قال إنّ «مشكلتنا مع الرئيس البشير بدأت من الفساد في الذهب». ناسياً أيضاً أنه كان قد خرج في حوار، عقب إجازة قانون الدعم السريع في 2017، وقال إنّ ما يهمُّه في القانون أنه حدَّدَ تبعيَّة الدعم السريع إلى الرئيس البشير مُباشرةً. وقال حينها أيضاً إنّ علاقته بالجنجويد كانت عسكرية فقط، وإنّ أميرهم وشيخهم كان موسى هلال.
استمرّ قائد الدعم السريع طوال وقت الخطاب يبتعد من تحمُّل أي مسؤولية حتى عن الأخطاء التي اعترف بها؛ فهو حينما جاء إلى الخرطوم لم يكن يعرف السياسة وكان مسكيناً، على حد قوله، وهو حينما عارض عمر القراي كان مغشوشاً، وكذلك حينما تبع البرهان في الانقلابين الأول والثاني.
شرَحَتْ خطابات قادة تأسيس أكثر مما أخفَتْ حول طبيعة المشروع الذي يُروِّج له التحالف؛ فهو مشروع تائهٌ يُحاول أن يَستنجد بإخفاقات من التاريخ، يعرفها الجميع ويُقِرُّون بها. هي ليست إخفاقات يمكن أن تتحمَّلها جهة بعينها، وإنما تراكمٌ من إخفاقات العمل المُشترك، وفي معظم الأحيان «قوة رأس» كالتي تحدث الآن.
في كلمته أمام الحشد، قال عبد العزيز آدم الحلو، نائب حميدتي في تحالف تأسيس، إنّ 97% من أهل السودان مُهمّشون تهميشاً اقتصادياً و99% تهميشاً سياسياً. هذه النسب من وحي خيال الحلو، ولا توجد لها أي أسانيد أو توثيق ولم نجد لها أساساً. كيف يفهم الحلو التهميش؟ يقول: لتعرفَ أنك مُهمَّش، فقط تحسَّسْ حسابك في سيتي بنك وانظر إلى رصيدك. يَخْلُص الرفيق الحلو إلى أنّ 99% من السودانيين مُهمّشون، ثم يسأل الحضور إن كان هناك من يملك منزلاً في الرياض أو المعمورة؟ سألهم أن يرفعوا أيديهم حتى يسمح لهم بالخروج من القاعة، لأنهم لا يَنتمون إلى تحالف تأسيس، وإن كان محمد حمدان دقلو الذي كان حتى قبل الحرب من أغنى أغنياء السودان!
لا شكَّ أن تجارب بناء دولة مُستقرَّة في السودان، شابَتْها إخفاقاتٌ مُتتالية، لكنها في المقابل تجارب تشاركَتْها أجيالٌ مُختلفة ولا يصحُّ أن تَنفض يدَكَ منها بهذه البساطة.
لئن كانت تأسيس مُحقَّةً في أننا نحتاج إلى تحطيم الدولة والمعرفة والذاكرة وتأسيسٍ جديد، فإننا حتماً لم نشهدْ لقادتها معرفةً بالبناء على الإطلاق، ولا تَحمل سيرهم الذاتية أيّ قدرات على بناء أي شيء، دعك من بناء دولة.