رأي

حكاية!

الدكتور الخضر هارون

قال : تحلقنا حول جدتنا بنت أمونة، عبد الحفيظ وشيماء ونوره وشخصي سيداحمد المكي ولد نعيمة بنتها في ليلة سطع فيها القمر بالضياء الباهر نحتسي أكواب الشاي باللبن المحروق ( المقنن) مع كومة من (لقيمات)زاهية في لون البرتقال يعلوها بياض السكر المسحون! وهي طبق حلو يُشتهي  تتعدد أسماؤه في بلاد العرب لكن مذاقها  واحد حلو جميل يستحب .جئنا جميعا معشر الحفدة من بلاد باردة هاجرنا إليها في شرخ شبابنا وميعة صبانا ،نلوذ بشتاء السودان اللطيف أوائل شهر نوفمبر ، شتاء لم يزل يحبو .

تحدثت أنا عن هولندا وتحدثت شيماء ونوره عن بلدان أخري في أوروبا  وتحدث عبد الحفيظ عن كندا . وكنا جميعا نشكوا قسوة الحياة في تلك الأمكنة من الناحية المعنوية وتحديات المحافظة علي هوية الأبناء والبنات والخوف المرعب من تأتي الفتاة يوماً بعشيق لها  إلي البيت أو عشيقتها بعد أن  أصبح الذراري بالغين وأصبحنا نحن (كُهناً ) بالية من العواجيز والشيوخ لا نملك سوي أن نلوذ بالصمت في بيوت ملكناها بالعرق والدموع  وإلا فالشرطة تأتي برنة علي الهاتف من بنت أو ولد ونسترسل فيما لا يخطر علي بال خاصة علي بال جدتنا بت أمونة التي ظلت صامتة تجهد سمعها الكليل الذي  ظل يلتقط لتسعين عاماً حتي خارت قواه فاستعانوا عليه بالحيل الحديثة من المسامع الاصطناعية .

وبت أمونة لمن لا يعرفها حفظت ( ربع يسن) أي من  القرآن الكريم وهو مصطلح لمن حفظ من سورة يسن حتي سورة الناس أي ربع سور الكتاب المقدس الثلاثين علي يد جدها الشيخ حامد الملقب ب ( بحر المسور) أي بحر القلزم  الأحمر لغزارة علمه وهو أكبر البحار التي يعرفونها بعد بحر النيل. وكانت هي المرأة الوحيدة القارئة الكاتبة علي نطاق المنطقة  وكانت تعرف ما يقوله المذياع بالفصحي .لم تسافر بعيدا عن القرية إلا إلي العاصمة الخرطوم وإلي الحج والزيارة مرة. لم تسترح في الخرطوم مع أبنائها وبناتها رغم أنها قد وصلتها علي متن  القطار ذاك الذي وصفه المغني بأنه يسابق الريح ، ربما كان يفعل في أيامه الخوالي الزواهر .وسعدت بأنس عابر مع ركابه واستمتعت بتعدد الأمكنة  والأجناس  فتمتمت بالحكمة القديمة وراء السفر والتجوال في العوالم وإن صغر عالمها الذي لم يتسع مجاله لأكثر  من قريتها في الريف  السوداني إلي الخرطوم ، قائلة:( فعلا تدور كتير تشوف كتير!) وتلك الحكمة قريبة من حديث الشافعي شعرا رصينا عن فوائد الأسفار. ولعلها استغرقت متأملة في أحاديثنا عن عوالم لم تخطر لها علي بال. ولما بلغ بنا القول إلا مشكلات العيش في مهاجرنا   وتباين الطباع بيننا وبين عالم فقد عقله يتزوج فيه الرجل الرجل والمرأة المرأة انتفضت كالمسعورة واستعصمت بعبارتها الأثيرة  آلتي ألفناها منذ الصغر وعلمنا أنها منتهي ما  تبلغ من الضيق رفضا لما يقال ” مخيّر الله!”. قالت بما أصيغه هنا : لقد عشنا في قريتنا البعيدة  بكد وعرق  ورهق ولكن بسعادة ورضا .كنت احتطب وأجلب الماء يوميا من النهر وأصنع الطعام وأحلب الأنعام وجدكم (حواية الله )يزرع في حقله الصغير الذرة والقمح والشعير والدخن والقطن للغزل   بما يكفينا طوال العام ويفيض ونأكل ثلاثا في اليوم والليلة إلي حد الشبع ونحن في دفء الأهل والعشيرة حامدين شاكرين. وأنتم أولاء تجوبون الآفاق شرقا وغربا علي متن الطيارات لذات الشيء لتأكلوا في اليوم ثلاثا كما كنا في ريفنا الفقير ولتؤكلوا ذرية مسخا من البشر لا تتواني من طردكم  إن عجزتم غدا أو تطلب لكم الشرطة إن تفوهتم بما لا يرضيهم. ما أتعسكم من خلق وختمت غاضبة ” مخيّر الله!”. قلنا : فكرنا في العودة النهائية يا (حبوبة )لكن اشتغلت هذه الحرب اللعينة فلم تترك لنا مقاراً في حواضرنا ولم يبق  لنا من سبيل إلا البقاء حيث نحن .

قالت نوره وكانت الجدة  تحبها وتحب جرأتها في التعبير عن نفسها ،تلك الجرأة التي لا تعبأ بشعور من فوقت نحوه السهام ومع ذلك كانت تصفها بالمسيخة ( اي الماسخة بلا طعم مميز ) سليطة اللسان  : “وحتي هذا الملاذ الفقير الآمن قرر شياطين الإنس والجن ألا يتركوه لنا! “. قالت بت أمونة وقد انتصبت واقفة وهي تحكم قبضتها علي عكازها متجهة إلي فراشها : “فرطتم فيه يوم تسللتم لواذا بعيدا عنه لغير ما ضرورة فطمعوا فيه، مخيّر الله!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى