حرب الرقائق.. المصنع الذي أصبح أثمن من حاملة الطائرات

لا توجد سلعة تجسد هشاشة الاقتصاد العالمي مثل أشباه الموصلات.
الشريحة صغيرة، لكنها توجد في السيارة والهاتف والطائرة والصاروخ ومركز البيانات والمصنع.
ولذلك تحولت صناعة الرقائق من موضوع تجاري إلى ملف أمن قومي.
المشكلة الأساسية أن سلسلة الصناعة شديدة التعقيد والتخصص.
دولة قد تملك أفضل شركات التصميم لكنها لا تملك المصانع.
شركة هولندية متخصصة في آلات الطباعة الضوئية المتقدمة تملك موقعاً يصعب استبداله.
اليابان قوية في المواد والمعدات.
وتتركز نسبة كبيرة من إنتاج الرقائق المنطقية الأكثر تقدماً في تايوان.
لكن بناء مصنع جديد ليس مجرد توفير أرض وإعفاء ضريبي.
مصنع متقدم يمكن أن يكلف عشرات المليارات، ويحتاج إلى كهرباء مستقرة ومياه فائقة النقاء وآلاف المهندسين ومئات الموردين.
وهذا يفسر لماذا بدأت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والهند وغيرها في ضخ إعانات هائلة لجذب مصانع الرقائق.
المقصود ليس فقط الوظائف.
إذا اندلعت أزمة في آسيا وأغلقت المصانع الرئيسية، يمكن أن تتوقف صناعات كاملة في أماكن أخرى.
وقد رأى العالم نسخة مصغرة من ذلك خلال جائحة كورونا عندما أدى نقص الرقائق إلى توقف خطوط إنتاج السيارات.
لكن محاولة كل دولة صنع كل شيء داخل حدودها ليست واقعية.
هناك آلاف العمليات والمواد والمكونات.
سلسلة الرقائق نموذج متطرف لما يسمى الاعتماد المتبادل المعقد.
ولهذا فإن الهدف الجديد ليس «الاكتفاء الذاتي»، بل تقليل نقاط الاختناق.
أمريكا تريد ألا تعتمد على تايوان وحدها.
الصين تريد تقليل اعتمادها على المعدات والتكنولوجيا الغربية.
أوروبا تريد بناء قدرات تصنيع محلية.
واليابان تريد استعادة موقع فقدته في الصناعة منذ عقود.
وهذا يولد سباق إعانات قد يصبح مكلفاً جداً.
هناك خطر أن تدفع الحكومة مليارات لجذب مصنع كان سيبنى أصلاً في مكان قريب، أو أن ينشأ فائض في أنواع معينة من الرقائق بينما يستمر النقص في الأنواع الأكثر تقدماً.
كذلك لا يمكن شراء الخبرة بالمال وحده.
تحتاج صناعة الرقائق إلى منظومة جامعات ومهندسين وموردين وخبرة تصنيع تراكمية.
تايوان بنت هذه المنظومة خلال عقود.
لذلك قد يكون التعليم والهجرة المتخصصة أهم من الإعانة الضريبية.
الذكاء الاصطناعي جعل الرقائق أكثر استراتيجية.
المنافسة على أكبر النماذج تعتمد على الحصول على أعداد ضخمة من المعالجات المتقدمة.
ولهذا تحولت القيود الأمريكية على تصدير الرقائق والتكنولوجيا إلى أداة جيوسياسية.
الصين بدورها تضخ الأموال لتطوير بدائل.
وهكذا أصبح السؤال المتعلق بالسيليكون قريباً جداً من السؤال العسكري: من يملك التكنولوجيا اللازمة لبناء القوة في العقد المقبل؟
في القرن العشرين كانت الدول تقيس قوتها بعدد حاملات الطائرات والمصانع الثقيلة.
في القرن الحادي والعشرين قد تكون القدرة على تصميم وتصنيع رقاقة في بضعة نانومترات من المؤشرات الأكثر دلالة على القوة القومية.

Exit mobile version