بذور السودان في مهب الحرب.. نصف مخزون بنك الجينات بمدني مفقود والنصف الآخر تحت الفحص

تحقيق: سماح طه – الأحداث
لم تكن الحرب التي اجتاحت مدينة ود مدني قدراً على المباني والمكاتب وحدها؛ فقد امتدت آثارها إلى ذاكرة زراعية عمرها عقود، داخل بنك الجينات التابع لهيئة البحوث الزراعية. هناك كانت تُحفظ آلاف العينات من الأصناف والسلالات النباتية التي جمعها الباحثون من مناطق السودان المختلفة، قبل أن تنقلب الحرب على واحدة من أهم خزائن التنوع الوراثي في البلاد.
وفي إفادة خاصة لـ«الأحداث»، كشف مدير بنك الجينات بمدينة ود مدني، د. علي زكريا، أن نحو نصف المخزون الوراثي للبنك فُقد بالفعل، فيما لا يزال الفحص العلمي جارياً للتأكد من حيوية وفاعلية النصف الآخر.
وكان البنك يضم أكثر من 15 ألف مدخل وراثي، ضمن مخزون يتجاوز 20 ألف عينة بذور، بحسب معلومات من هيئة البحوث الزراعية وتقرير للباحث الزراعي والمدير السابق لمركز صيانة وبحوث الموارد الوراثية النباتية الزراعية، د. الطاهر إبراهيم محمد.
ويعني فقدان نحو نصف المداخل أن ما يقارب 7 آلاف مدخل وراثي أصبح خارج المخزون، بينما ينتظر النصف الآخر نتائج الفحوص المتخصصة التي ستحدد مدى احتفاظ العينات بحيويتها وقدرتها على الإنبات والاستخدام البحثي والزراعي.
أربعون عاماً من الذاكرة الزراعية
تعود جذور مركز صيانة وبحوث الموارد الوراثية النباتية الزراعية إلى عام 1982، عندما بدأ تعاون بين هيئة البحوث الزراعية والمجلس الدولي للموارد الوراثية النباتية بهدف جمع وصيانة الموارد الوراثية المحلية.
وعلى مدى أربعة عقود، خرج الباحثون في رحلات ميدانية لجمع بذور الأصناف المحلية والقديمة من الخضر والفاكهة والنباتات الطبية والعطرية، قبل أن يتوسع العمل ليشمل أصناف المزارعين التقليدية، والأقارب البرية للمحاصيل، وغيرها من الأنواع والسلالات.
وبمرور السنوات، تحول بنك الجينات في ود مدني إلى مستودع ضخم للموارد الوراثية السودانية، يضم أكثر من 20 ألف عينة تمثل أكثر من 15 ألف مدخل وراثي.
لكن القيمة الحقيقية لهذه العينات لا تكمن في البذور وحدها؛ إذ ترتبط كل عينة ببيانات عن اسمها وموقع جمعها وتاريخه وخصائصها، إضافة إلى نتائج التوصيف والتقييم والصفات التي قد تكون ذات قيمة في تحسين المحاصيل مستقبلاً.
عندما سقطت ود مدني
مع سيطرة قوات الدعم السريع على ود مدني، تعرض مجمع هيئة البحوث الزراعية لعمليات نهب وتخريب طالت مكاتب ومعامل وتجهيزات مختلفة.
وكان بنك الجينات من بين المنشآت التي تعرضت للنهب.
وبحسب معلومات تحصلت عليها «الأحداث» من مصدر في هيئة البحوث الزراعية، نُهبت أكثر من ثلاثين ثلاجة كانت تستخدم لحفظ العينات، وأُخرجت محتوياتها من ظروف التخزين.
وتُركت الصناديق ومظاريف البذور مبعثرة على أرضيات غرف البنك، بينما ترك بعضها في العراء.
كما شملت عمليات النهب أجهزة الحاسوب والطابعات والماسحات وآلات التصوير، والمخدمات التي كان يُدار من خلالها نظام معلومات الموارد الوراثية، إضافة إلى المكاتب والمكتبات والمراجع والسيارتين التابعتين للمركز.
وهكذا تعرضت العينات للخطر من جهة، وتعرضت المعلومات المرتبطة بها للخطر من جهة أخرى.
الحرارة والكهرباء.. بداية الخطر
بعد نهب الثلاجات، بقيت العينات خارج ظروف الحفظ المثالية، وسط ارتفاع درجات الحرارة.
وتشير المعلومات إلى أن أشخاصاً ظلوا في ود مدني حاولوا جمع مظاريف البذور والصناديق وإعادتها إلى غرف البنك، وتشغيل أجهزة التكييف الموجودة فيها لتقليل تأثير الحرارة.
لكن استمرار الحرب جعل مراقبة الوضع صعبة، قبل أن تنقطع شبكة الاتصالات عن المدينة في مارس 2024، ثم تنقطع الكهرباء بصورة كاملة تقريباً في يونيو من العام نفسه.
وجاء انقطاع الكهرباء خلال أشهر الصيف، الأمر الذي زاد المخاوف بشأن تدهور حيوية البذور.
لكن حجم الضرر لم يكن من الممكن تحديده بمجرد النظر إلى العينات.
فبعض البذور قد تبدو سليمة ظاهرياً، لكنها تكون فقدت جزءاً من قدرتها على الإنبات نتيجة ظروف التخزين السيئة.
وهنا جاءت أهمية الفحص العلمي الذي تحدث عنه مدير بنك الجينات.
نصف المخزون فُقد.. والنصف الآخر ينتظر الحكم العلمي
يقول د. علي زكريا إن نحو نصف المخزون فقد بالفعل، بينما لا يزال العمل البحثي جارياً على النصف الآخر للتأكد من حيويته وفاعليته.
وبحساب المداخل الوراثية، يعني ذلك أن نحو 7 آلاف مدخل من أصل أكثر من 15 ألف مدخل أصبح مفقوداً، بينما تخضع بقية الموارد للفحص.
ولا يمثل ذلك مجرد فقدان لمجموعة من البذور؛ فبعض المداخل قد تكون أصنافاً تقليدية نادرة أو سلالات لا توجد إلا في بيئات محددة.
والخسارة النهائية لا تتحدد بعدد المظاريف المفقودة، بل بما تحمله تلك المداخل من تنوع وصفات وراثية قد يحتاج إليها السودان مستقبلاً.
أزمة البيانات.. الخسارة غير المرئية
تزامناً مع نهب معدات الحفظ، فقد المركز الوصول إلى نظام المعلومات المحلي.
وكان النظام يحتوي على بيانات أساسية عن العينات، ومواقع جمعها وتواريخها، إضافة إلى بيانات التوصيف والتقييم والبيانات الإدارية.
وفقدان هذه المعلومات يمكن أن يقلل من القيمة العملية للعينات حتى إذا بقيت بذورها قابلة للإنبات، لأن الباحث يحتاج إلى معرفة أصل المورد وصفاته وخصائصه حتى يستطيع إدخاله في برامج البحث والتربية النباتية.
لكن جزءاً مهماً من البيانات نجا.
فقد كان المركز قد ربط نظام معلوماته بمنصة Genesys العالمية، وتم رفع البيانات الأساسية لما يزيد على 15 ألف مدخل، وهو ما وفر نسخة احتياطية مهمة خارج المركز.
محاولة إجلاء فشلت بسبب الحرب
مع تصاعد المخاطر، تحركت إدارة المركز للتواصل مع الجهات الدولية المعنية بالموارد الوراثية، ومن بينها الصندوق الاستئماني العالمي للتنوع المحصولي وسكرتارية المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة.
كما دخلت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» على خط الأزمة.
وبحسب مصدر في هيئة البحوث الزراعية، أبدت المنظمة استعدادها لنقل العينات والمعدات المتبقية من ود مدني إلى موقع أكثر أمناً داخل السودان، وبدأت بالفعل إجراءات التواصل مع طرفي الحرب واستئجار وسائل النقل.
لكن العملية تعثرت بعد الحصول على موافقة القوات المسلحة، وعدم الحصول على الموافقة من قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على المدينة في ذلك الوقت.
وهكذا بقيت العينات في مواجهة ظروف الحرب.
الأبيض.. خط الدفاع الثاني
لكن السودان لم يعتمد على بنك ود مدني وحده.
في مدينة الأبيض، كانت هناك وحدة أخرى للموارد الوراثية، بدأ تأسيسها عام 2003، وبدأ العمل فيها فعلياً عام 2005، وفق إفادة د. نجلاء عبد العال الليسي، المسؤولة عن بنك الجينات الوراثية في الأبيض، لـ«الأحداث».
وتضم الوحدة حالياً أكثر من 5 آلاف عينة، بينها موارد وراثية رئيسية لمحاصيل كردفان ودارفور.
وتكمن أهمية بنك الأبيض في أن المركز كان يتبع سياسة إنشاء نسخ من العينات في أكثر من موقع.
وتوضح الليسي أن العينة التي تُجمع كانت تُجهز منها نسختان؛ نسخة تُحفظ في الأبيض، وأخرى تُرسل إلى بنك الجينات الرئيسي في ود مدني.
وبذلك، فإن جزءاً من الموارد التي تعرضت للخطر في مدني توجد له نسخ احتياطية في الأبيض.
الكهرباء تهدد خط النجاة
لكن بنك الأبيض نفسه يواجه تحدياً آخر: الكهرباء.
وتقول الليسي إن البنك اعتمد في بداية الأمر على مولد صغير لتسيير عمليات الحفظ، قبل وصول منظومة طاقة بدعم من «الفاو».
إلا أن الطاقة المتاحة لا تغطي اليوم بأكمله، إذ تعمل حتى ساعات العصر، قبل أن ينقطع التيار.
وتؤكد المسؤولة أن العينات الموجودة حالياً في حالة جيدة، وأن المشكلة لم تؤثر عليها حتى الآن، لكنها تحذر من أن استمرار الانقطاع على المدى الطويل قد يهدد سلامة المخزون.
وهنا يطالب مختصون بمنح البنك أولوية في الإمداد الكهربائي، وتوفير خط ثابت يضمن استمرار أجهزة التبريد والتجميد.
وتكتسب هذه المناشدة أهمية مضاعفة بعد فقدان نصف مخزون بنك مدني، إذ أصبح الحفاظ على النسخ الموجودة في الأبيض جزءاً أساسياً من حماية ما تبقى من الموارد الوراثية السودانية.
النرويج.. نسخة خارج الحرب
لم تكن الحماية موزعة داخل السودان فقط.
فقد أرسلت هيئة البحوث الزراعية نسخاً من الموارد الوراثية إلى قبو سفالبارد العالمي للبذور في النرويج.
وتقول د. نجلاء الليسي إن نحو 3 آلاف عينة وصلت بالفعل إلى النرويج، فيما يجري إعداد مجموعة جديدة للإرسال.
وبحسب تقرير د. الطاهر إبراهيم محمد، فإن المركز كان قد بدأ قبل الحرب إيداع نسخ من الموارد في القبو العالمي، كما تمكن خلال الحرب من إرسال أكثر من 1800 مدخل من مجموعة كانت محفوظة في الأبيض.
وتوفر هذه النسخ طبقة إضافية من الأمان خارج السودان، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وعدم ضمان سلامة أي منشأة داخل البلاد.
ماذا بعد؟
إذا انتهت الحرب واستقرت الأوضاع، فإن المهمة الأولى ستكون الوصول إلى بنك الجينات في ود مدني، وإجراء جرد شامل لما تبقى، ثم فحص العينات واحدة تلو الأخرى لمعرفة ما يمكن إنقاذه.
وسيكون من الضروري أيضاً مقارنة المخزون المتبقي بالنسخ الموجودة في الأبيض والنرويج، والاستفادة من البيانات المحفوظة على المنصات العالمية.
أما الموارد التي فُقدت دون نسخ، فقد تحتاج إلى رحلات جمع جديدة.
وتقول الليسي إن استقرار البلاد سيسمح باستئناف عمليات جمع الموارد الوراثية، بما فيها رحلات سنوية، لتعويض ما فقد.
لكن إعادة الجمع ليست مضمونة؛ فالحرب والنزوح وتوقف الزراعة وتغير البيئات قد تكون أدت إلى اختفاء بعض الأصناف من مناطقها الأصلية.
ليست بذوراً فقط
تكشف كارثة بنك الجينات أن ما هو على المحك يتجاوز البذور.
فالموارد الوراثية قد تحمل صفات مقاومة للجفاف والحرارة والأمراض والآفات والملوحة، وهي صفات يمكن أن تصبح أكثر أهمية مع تغير المناخ وتزايد الضغوط على الأمن الغذائي.
ولهذا فإن فقدان صنف أو سلالة قد يعني فقدان خيار مستقبلي أمام الباحثين والمزارعين.
كما أن ما حدث يؤكد أن حماية التنوع الوراثي لا يمكن أن تقوم على مركز واحد، أو على أجهزة تبريد فقط.
المطلوب شبكة متعددة المواقع، ونسخ احتياطية داخل السودان وخارجه، ونظام معلومات مؤمن، ومصادر طاقة مستقرة، وخطط طوارئ واضحة للإخلاء والحفظ في حالات الحرب والكوارث.
إنقاذ النصف الآخر
اليوم، تبدو المعركة أكثر إلحاحاً.
نحو نصف مخزون بنك الجينات في مدني فُقد بالفعل، والنصف الآخر لم يُحسم مصيره بعد.
فالنتيجة النهائية ستحددها المختبرات والفحوص العلمية، وليس شكل المظاريف أو سلامة البذور ظاهرياً.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الباحثون نتائج الفحص، يبقى بنك الأبيض أحد أهم خطوط الدفاع عن المخزون الوراثي السوداني، ما يجعل تأمين الكهرباء فيه ضرورة عاجلة، وليس خدمة يمكن تأجيلها.
فقدان آلاف المداخل في مدني كان ضربة قاسية لذاكرة الزراعة السودانية، لكن الحفاظ على العينات الموجودة في الأبيض، وتأمين النسخ المحفوظة في النرويج، واستعادة البيانات، ثم إعادة جمع ما يمكن جمعه بعد الحرب، قد يمنع الخسارة من التحول إلى محو كامل لهذا الإرث.

Exit mobile version