خالد محمد أحمد
عندما أيقن الخليفة عبد الله التعايشي في أم دبيكرات أن الحصار قد أُحكِمت حلقاتُه، وأن النهاية باتت أقرب من أيِّ مخرجٍ، فرَش تبروقته مستسلمًا لمصيره الوشيك.
وبشيءٍ من المقاربة السياسية، يبدو أن كامل إدريس قد بلغ مرحلةً شبيهة؛ إذْ تآكلت مسوِّغات بقائه في المنصب، وأصبح وجوده على رأس الحكومة أقرب إلى انتظار المصير المحتوم منه إلى امتلاك القدرة على تغيير المسار بعد أن استنفد فرصه دون أن يُقدِّم إنجازاتٍ ملموسة.
لكن السؤال الأهمَّ الذي يفرض نفسَه اليوم على السودانيين ليس: متى يرحل كامل إدريس؟ بل: ماذا سيتغيَّر إذا رحل؟
صحيحٌ أن شخصية كامل إدريس لا تخلو من إشكالاتٍ لا تخطئها العين، وأن كثيرًا من تصرُّفاته تعكس فقدانًا للبوصلة واضطرابًا في تقدير مقتضيات المنصب، إلى جانب ما يُؤخَذ على أدائه من إخفاقاتٍ سياسية وإدارية أسهمت في توسيع فجوة الثقة بينه وبين قطاعات من الجمهور، وأضعفت قدرته على التواصل مع الناس والوقوف على تطلُّعاتهم. غير أن هذه الاختلالات على وجاهتها لا ينبغي أن تحجب أُسَّ الأزمة؛ إذْ إن اختزالها في شخصية رئيس الوزراء يصرف النظر عن المعضلة الأعمق المتمثِّلة في طبيعة العلاقة الأبويَّة التي تحكم صِلة السلطة العسكرية برئاسة الحكومة.
فإذا كان الانطباع السائد أن رئيس الوزراء يأتمر بأمر العسكر، وأن يده مغلولةٌ، وأنه مغلوبٌ على أمره، فإن المشكلة لا تقتصر إذن على شخصه، بل تشمل طبيعة الموقع الذي يشغله، وحدود سلطاته، ومدى قدرته على اتخاذ القرارات وتحمُّل مسؤولية نتائجها.
ولذلك، فإن تغيير رئيس الوزراء، مهما اختلف خليفته عنه في قوة الشخصية أو الخبرة أو القدرات القيادية ومهارات التواصل وبناء التوافق، لن يُحدِث تغييرًا جوهريًّا ما لم يُعالَج أصلُ الخلل في توزيع السلطة والصلاحيات، ويُمنَح رئيس الحكومة من السلطات ما يُمكِّنه من اتخاذ القرارات التي يُحاسَب على نتائجها.
ويقتضي إصلاح هذا الخلل إعادة تحديد المسؤولية بما يتناسب مع السلطة الفعلية لكلِّ طرفٍ؛ فلا يجوز للقيادة العسكرية أن تحتفظ بمفاتيح القرار، ثم تستخدم الحكومة التنفيذية درعًا واقيًا من الانتقادات الموجَّهة إليها، بل عليها أن تتحمَّل مسؤولية القرارات التي تتَّخذها والصلاحيات التي تحتفظ بها. ولا ينبغي كذلك إعفاء رئيس الوزراء أو أيِّ مسؤولٍ تنفيذي من المساءلة عن أوجه القصور الواقعة ضمن نطاق سلطاته الفعلية؛ فالمعيار العادل هو أن تتناسب المسؤولية مع السلطة، وأن تكون المحاسبة على ما يستطيع المسؤول اتخاذ قرارٍ بشأنه، لا على ما حُرِم من القدرة على تغييره.
لقد حقَّقت القيادة العسكرية رصيدًا سياسيًا لدى قطاعات من المواطنين من خلال الصمود في ميدان القتال، واستعادة السيطرة على مناطقَ، وتهيئة الظروف لعودة كثيرٍ من النازحين إلى ديارهم. وقد صبر الناس على الجوع وشظف العيش انطلاقًا من تقدير المصلحة، وخشيةَ أن يؤدّي انهيار الوضع العسكري إلى مزيدٍ من الفوضى والتشرُّد.
غير أن هذا الصبر لم يكن تفويضًا مفتوحًا، ولا قبولًا دائمًا بتردِّي الأوضاع المعيشية والخدمية؛ فالرصيد السياسي المستمدُّ من الإنجازات العسكرية ليس أبديًا، ولا يُغني عن تحقيق إنجازاتٍ محسوسةٍ في إدارة الدولة وتحسين حياة المواطنين بعد انحسار الخطر المباشر. فحين يستشعر الناس تحسُّن الأمن ويشرعون في العودة إلى ديارهم ومزاولة حياتهم، تعود مطالبهم الطبيعية إلى الواجهة، ويتقدَّم تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية إلى مقدِّمة أولوياتهم. وما احتمله المواطن اضطرارًا في ذروة الحرب لن يقبله بالضرورة بعد تراجع الخطر. ولذلك، لا يمكن مطالبة الناس بمواصلة الصبر بلا أفقٍ واضح للتغيير، ولا الاكتفاء بالإنجازات العسكرية من دون ترجمتها إلى تحسُّنٍ ملموسٍ في حياتهم.
كما أن على القيادة العسكرية أن تدرك أن استمرار الإخفاقات الاقتصادية والإدارية والسياسية من دون معالجةٍ أو مساءلةٍ يفاقم تآكل الثقة بين السلطة والمجتمع، ويوفِّر للأعداء في الداخل والخارج أسبابًا إضافية لتأليب الشارع وتعبئته. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على إطالة أمد صبر الناس، بل على معالجة أسباب تذمُُّرهم، وحُسن اختيار رئيس وزراءٍ يجمع بين الكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار، ويُمنَح من الصلاحيات ما يُمكِّنه من تحويل هذه الصفات إلى إنجازٍ حقيقي؛ فاستتباب الأمن على أهميته لا ينبغي أن يُتَّخذ ذريعةً للتلكُّؤ في تلبية المطالب الأساسية.
وفي تقديري أن كامل إدريس قد أفرغ ما في كنانته واستنفد ما أُتيح له من فرصٍ، وأصبح تغييره ضرورةً سياسية إذا كان المقصود من التغيير إفساح المجال أمام أداءٍ تنفيذي أكثر فاعليةً. غير أن هذا التغيير لن يحقِّق غايته ما لم يُصاحبه اتفاقٌ واضح على طبيعة العلاقة بين القيادة العسكرية والحكومة التنفيذية، وحدود صلاحيات كلٍّ منهما بحيث تتولَّى القيادة العسكرية مسؤولياتها في المجالين العسكري والأمني، وتُتاح للحكومة التنفيذية ممارسة سلطاتها في إدارة شؤون الدولة والخدمات والاقتصاد مع التنسيق في القضايا الاستراتيجية، لا الخضوع لوصايةٍ يومية تُفرِّغ الحكومة من مضمونها.
فهل يكون تغيير رئيس الوزراء مدخلًا لإعادة تنظيم العلاقة بين القيادة العسكرية والحكومة التنفيذية، وتأسيس حكومةٍ تملك صلاحياتٍ فعليةً وتتحمَّل مسؤولياتٍ واضحة، أم يظلُّ مجرَّد فصلٍ جديدٍ في إدارة الأزمة بتغيير الأشخاص مع الإبقاء على أسبابها؟