عراقجي يعلن تسييل الأصول المجمدة ورفع الحصار، و”خلية منع الاحتكاك” في لبنان تواجه مأزق الضمانات الإقليمية.
تحليل: د. محمد زيدان خفاجي
باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية
mohammedzidan89@gmail.com
طفرة الصادرات وعودة المفتشين.. مقايضة السيادة بالمرونة التكتيكية:
يكشف المشهد التفاوضي الراهن عن نجاح طهران في إدارة إستراتيجية “حافة الهاوية” وتحويلها إلى مكاسب جيواقتصادية ملموسة على الأرض؛ فوفقاً لأحدث بيانات رصد الملاحة الدولية، قفزت الصادرات الإيرانية لتسجل شحن 36 مليون برميل نفط خلال ستة أيام فقط عقب التخفيف العملي لقيود الحصار الأمريكي. هذا التدفق الضخم يتزامن مع خطوة إيرانية بالغة الذكاء تمثلت في الموافقة على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت؛ وهي مرونة تكتيكية منحت إدارة ترامب الغطاء السياسي اللازم لإصدار إعفاءات نفطية ومصرفية عاجلة لمدة 60 يوماً. من منظور التحليل الجيوسياسي، لم تتنازل طهران عن بِنْيتها النووية، بل وظفت “بطاقة التفتيش” لانتزاع قرار أمريكي يشرعن مبيعاتها النفطية ويفكك البلوكاد البحري، مما يثبت أن نرجسية ترامب الباحثة عن نصر سريع اضطرته لقبول الشروط الإيرانية لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية قبل أي خطوة أخرى.
الوساطة الإقليمية وخلية “منع الاحتكاك” في جبهة الشمال:
وفي الشق الأمني والعملياتي، تكتسب التفاهمات الحالية ثقلاً إقليمياً جديداً بفعل الاختراق الذي حققته الوساطة المشتركة لقطر وباكستان في جنيف؛ حيث أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي عن تأسيس “خلية أمنية مشتركة لمنع الاحتكاك” تهدف إلى فرض تهدئة عاجلة على جبهة جنوب لبنان وضواحي صور. وبناءً على اقتراب تحليل النظم، يمثل هذا الهيكل الأمني الجديد محاولة لفرملة محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الهادفة لتفخيخ الاتفاق؛ إذ تسعى واشنطن عبر هذه الخلية إلى ضبط السلوك العسكري لتل أبيب وحماية خطوط الملاحة في الخليج في آن واحد. غير أن المعضلة تكمن في مدى قدرة واشنطن على لجم حكومة الاحتلال المأزومة التي ترى في قصف لبنان وسيلة وحيدة للهروب من استحقاقات الانسحاب وتثبيت معادلة “وحدة الساحات” كأمر واقع فرضته القوة الإيرانية وحلفاؤها.
مأزق صندوق الـ 300 مليار وعقيدة التحوط الخليجي:
البعد الأكثر إثارة للجدل في التطورات الأخيرة يتجسد في الكشف عن ملامح خطة التنمية وإعادة الإعمار في إيران، والتي تتضمن تغذية صندوق مالي دولي وإقليمي تصل قيمته إلى 300 مليار دولار بموجب شروط التهدئة الأمريكية. هنا تصطدم رغبات ترامب النفعية بجدار “التحوط الخليجي” الصارم؛ فعواصم مجلس التعاون، التي تنتهج اليوم قراءة واقعية تثبت أن “المتغطي بأمريكا عريان”، ترفض بشكل قاطع أن تتحول إلى ممول غير مباشر لصفقات واشنطن المتقلبة. صانع القرار الخليجي بات يربط أي مساهمة مالية أو انخراط في الصندوق بضمانات أمنية ثنائية ومباشرة من طهران تحمي الحدود والمنشآت النفطية؛ مستفيداً من تراجع الهيمنة الأمريكية لصياغة “عقيدة جوار واقعية” تنطلق من جغرافيا المنطقة لا من وعود البيت الأبيض المتبدلة.
أفق مهلة الـ 60 يوماً وصراع الإرادات المفتوح:
في التحليل الأخير، تبرهن “مذكرة إسلام آباد” والهدنة المؤقتة على أن الإقليم يمر بمرحلة انتقالية حرجة تُرجئ حسم الخلافات الجوهرية حول السلاح النووي، مقابل تثبيت واقع اقتصادي جديد تتنفس فيه طهران مالياً. ومع بدء العد التنازلي لمهلة الشهور الثلاثة القادمة، يبقى التساؤل الإستراتيجي معلقاً فوق تفاعلات الميدان: هل تنجح أموال النفط والإعمار المتدفقة في تثبيت أركان التسوية، أم أن الألغام التي يزرعها التحالف الصهيوني المأزوم في لبنان ستنجح في نسف خلية منع الاحتكاك، لتكتب مسار المنطقة مجدداً بالحديد والنار وتسقط سلام الأوراق السويسري قُبيل جفاف حبره؟
23/06/2026