رأي

تأثير موجات الهجرة الشبابية على صورة الجاليات السودانية في الغرب

خالد محمد أحمد

طالعتُ بالأمس خبرًا عن إدانة سوداني بتهديد واعظٍ مسيحي بسكين في ركن الخطباء الشهير بحديقة هايد بارك وسط لندن، وهو حادثٌ خطير في ذاته، لكنه يكتسب بُعدًا أشدّ خطورة حين يُقرأ ضمن سياقٍ أوسع من الأخبار الجنائية المتزايدة المرتبطة بسودانيين في بريطانيا، وخاصةً فيما يتعلَّق بالجرائم الجنسية. ويكفي أن يطوف القارئ سريعًا في ماكينات البحث أو يتابع التغطيات الإخبارية البريطانية ليقف على حجم الأثر السلبي الذي تُخلّفه هذه القضايا على سمعة جاليةٍ لطالما امتازت بالهدوء والانضباط واحترام القانون.

ورغم أن حادثة هايد بارك لا تندرج ضمن الجرائم الجنسية، فإن استحضارها هنا يأتي بوصفها عاملًا مُكمّلاً للصورة العامة، إذْ إن تراكم الأخبار الجنائية على اختلاف طبيعتها يُسهم في تشكيل انطباعٍ سلبي شامل عن الجاليات المهاجرة حين تتزامن وتتكاثر في الفضاء الإعلامي.

وفي هذا السياق، كشفت إحصائية نشرتها صحيفة الديلي ميل البريطانية خلال العام المنصرم عن تصدُّر السودانيين قائمة الجنسيات الأجنبية المتهمة بارتكاب جرائم جنسية في إنجلترا وويلز. كما تشير البيانات الرسمية لشرطة إنجلترا وويلز إلى تسجيل اتهاماتٍ وإدانات لسودانيين في قضايا جنسية، وهو ما يتقاطع مع شهاداتٍ وملاحظات متكرّرة داخل أوساط الجالية نفسها، ويمنح هذه البيانات قيمةً إرشادية لفهم حجم المشكلة دون المبالغة في التعميم. ويظهر هذا التفاعل بين المصادر الإعلامية والرسمية أن الأمر يتجاوز حدود الحوادث الفردية المعزولة ليشكّل حالةً تستدعي التوقُّف والتحليل.

تكمن المشكلة، في تقديري، في التحوُّل العميق الذي طرأ على تركيبة الوافدين السودانيين إلى بريطانيا خلال السنوات الماضية؛ فالغالبية التي قدِمت حتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وربما بعد ذلك بقليل، كانت في أعمارٍ ناضجة تمتلك قدرًا من الخبرة الحياتية، والوعي القانوني، والقدرة على التمييز بين السياقات الثقافية المختلفة بما يعينها على حسن التصرُّف والاندماج.

كما أن دوافع المهاجرين في تلك الفترة وما قبلها كانت في مجملها تنصبُّ على الاستزادة في العلم، والتأهيل المهني والحرفي، ولا تحيد كثيرًا عن أهداف “المغتربين” الأساسية التقليدية المتمثّلة في إعانة الأهل في السودان، واستقدام زوجةٍ من البلد لبناء أسرةٍ وفقًا للنموذج الأسري السوداني التقليدي.

أما اليوم، فالصورة مختلفة؛ إذْ ازداد عدد القادمين من فئة الشباب صغار السنّ محدودي الخبرة في الحياة عبر مسارات لجوءٍ سريعة وطارئة في سياق حربٍ وانهيار شبه شامل في السودان.

وبما أن هؤلاء لم يُمنَحوا الوقت الكافي للنضج النفسي والثقافي، فإنهم لم يتهيأوا للانتقال من بيئةٍ يغلب عليها الانضباط الجنسي والقيود الاجتماعية الصارمة إلى مجتمعٍ أكثر تحرُّرًا تحكمه قوانين واضحة وحازمة فيما يتعلَّق بقضايا الجسد، والتجاوب، والخصوصيَّة.

ويزيد الأمر تعقيدًا أن نسبة غير قليلة من هؤلاء الشباب تحمل تصوُّراتٍ نمطيَّة مشوَّهة عن المجتمعات المستضيفة، من بينها الاعتقاد بأن المرأة الغربية “متاحة في كل زمانٍ ومكان، ولا تَصدّ أيّ متقرّبٍ منها”، وهي أفكارٌ تكاد تكون راسخة في مجتمعاتنا المحافظة. وعندما تُنقَل هذه الصورة الذهنيَّة الخاطئة فجأةً إلى واقعٍ قانوني صارم لا يتسامح مع أيّ تجاوزٍ، تكون النتيجة صدامًا مباشرًا مع القانون تدفع ثمنه الضحايا أولًا، ثم الجالية بأكملها.

ومع ذلك، يجدر الاستدراك بوضوح بأن هذه السلوكيَّات لا تمثّل جميع القادمين الجدد، تمامًا كما أن المهاجرين القدامى ليسوا جميعهم نماذج مثالية للالتزام والانضباط. ومن هذا المنطلق، فإن الغرض من هذا الطرح ليس الإدانة ولا التعميم، بل التعبير عن قلقٍ مشروع على مستقبل أبنائنا وصورة جاليتنا في تلك المجتمعات.

صحيح أن هناك من ينتحل الجنسية السودانية ليلتمس اللجوء، مستفيدًا من وضوح مأساة السودان وتعاطف العالم مع قضيته، لكن لا توجد مؤشّرات جديَّة على أن هذه الفئة هي المسؤولة الأساسية عن تشويه صورة السودانيين؛ بل إن ترجيح هذا التفسير يبدو أقرب إلى محاولة مريحة للهروب من مواجهة المشكلة الحقيقية، وخاصةً أن الغالبية الواردة في هذه الإحصاءات على الأرجح سودانيون أصليون.

ومن باب المقارنة، فإن تجربة السودانيين في أيرلندا الجنوبية مثالٌ واضح على أثر التركيبة الاجتماعية للمهاجرين على صورة الجاليات؛ إذْ كان معظم السودانيين في ذلك البلد حتى مطلع الألفية من فئة الأطباء، وهو ما خلق انطباعًا إيجابيًا عامًا عن الجالية. ومع تغيُّر التركيبة لاحقًا، تبدَّلت الصورة بالضرورة. وينطبق الأمر ذاته، بدرجاتٍ مختلفة، على السودانيين في الولايات المتحدة بعد استحداث نظام القرعة وما صاحبه من تنوُّعٍ واسع في الخلفيَّات والدوافع.

ولا بدَّ من التنبيه إلى أن التغيُّر في صورة المهاجرين لا يقتصر على السودانيين وحدهم، بل هو نتاج موجة الهجرة العالمية الحالية بما تحمله من صدماتٍ ثقافية حادَّة. غير أن تواتر الاتهامات والإدانات للسودانيين يُشكّل جرس إنذارٍ يتطلَّب وقفةً جادَّة تبدأ باضطلاع الجاليات السودانية بدورها في التنوير والتوعية، ومساعدة القادمين الجدد على فهم القوانين، واحترام ثقافة المجتمع المستضيف، وتسريع الاندماج الإيجابي. وممَّا يؤسف له أن كثيرًا من الجاليات تتقاعس عن أداء هذا الواجب، منشغلةً بالانغماس في تنظيم الحفلات الغنائية والأنشطة السياسية وتداعياتها من صراعاتٍ ومُماحكات، علمًا بأن السياسة وممارسات السياسيين السودانيين في الداخل والخارج من أبرز الأسباب التي تقوّض استقرار الشباب وتدفعهم إلى الهجرة. ولا يكتمل جهد الجاليات المفترض من غير التماس عون الجهات الرسمية لتوفير التوعية القانونية والتأهيل الثقافي والدعم النفسي للقادمين الجدد بما يحمي المجتمع والضحايا، ويصون مستقبل الجاليات وصورتها العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى