تقارير

بين “الطوارئ” و “الوطنية”.. خبراء يعلقون على أسلوب حل أزمات الاقتصاد السوداني عبر اللجان

الأحداث – وكالات
أثار تدشين رئيس الوزراء السوداني، د. كامل إدريس، (الثلاثاء) عمل اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد، ردود فعل واسعة تزامناً مع التحديات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد القومي.

ويعاني الاقتصاد السوداني من مشاكل مزمنة، أبرزها الهبوط الحاد لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، والارتفاع المتكرر لمعدلات التضخم بجانب انخفاض الصادرات وارتفاع في الواردات.

وبحسب بيان مجلس الوزراء فإن اللجنة تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي بما يشمل كبح التضخم واستقرار سعر الصرف، وتسريع النمو الاقتصادي المستدام ورفع الإنتاجية الوطنية، وتقوية القطاعات الإنتاجية وزيادة الإنتاج المحلي، بالإضافة إلى زيادة الصادرات وموارد النقد الأجنبي، وتعزيز ثقة المستثمرين وتنافسية القطاع الخاص ودعم الأمن الغذائي وتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة.

وتضم اللجنة في عضويتها وزراء القطاع الاقتصادي والممثل الخاص لرئيس الوزراء د. الحسين الخليفة الصديق الحفيان ومستشار رئيس الوزراء نزار عبد الله محمد، ومحافظ بنك السودان المركزي، والأمين العام لديوان الضرائب، ومديري الجمارك والمواصفات والجهاز المركزي، وسلطة أسواق المال وعدداً من الجهات ذات الصلة.

وأكد البيان أن اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد تعتبر لجنة تنفيذية لاتخاذ القرارات وتنفيذها ويمتد نطاق عملها ليشمل السياسات المالية والنقدية والإنتاج والتجارة والقطاع الخارجي والاستثمار والتشغيل والأمن الغذائي والطاقة والتحول الرقمي والإصلاحات الهيكلية ذات الصلة، على أن تقوم بمعالجة التحديات الاقتصادية ولا يتعارض ذلك مع أعمال القطاع الاقتصادي ضمن آليات مجلس الوزراء.

وبعد اندلاع الحرب لم تكن هذه اللجنة الأولى التي تحمل في أجندتها ذات الأهداف الاقتصادية، حيث تم تكوين لجنة الطوارئ الاقتصادية قبل نحو عام برئاسة دكتور كامل إدريس نفسه، والتي أصدرت حزمة من القرارات النوعية الهادفة إلى ضبط الأداء الاقتصادي وتعزيز استقرار سعر صرف العملة الوطنية.

وشملت قرارات لجنة الطوارئ عدة محاور إصلاحية جوهرية، من بينها، منع استيراد البضائع إلا بعد استيفاء كامل الضوابط والإجراءات المصرفية والتجارية، وحظر دخول أي بضائع لا تستوفي الشروط والمواصفات المعتمدة، وتفعيل دور قوات مكافحة التهريب وتمكينها من الوسائل والمعينات اللازمة لأداء مهامها بكفاءة عالية، وإنفاذ القوانين والتشريعات الخاصة بمكافحة التهريب بحيث تعد حيازة أو تخزين الذهب من غير مستندات رسمية جريمة تهريب بغض النظر عن الموقع.

وتبدو أعمال اللجنتين متشابهة إلى حد كبير ، الأمر الذي يثير حفيظة الرأي العام والعالمين ببواطن الاقتصاد في وسط تساؤلات مشروعة: هل يمكن أن تُحل مشاكل الاقتصاد عبر اللجان؟.

وشن الخبير الاقتصادي، أحمد بن عمر، هجوماً قاسياً على النهج الحكومي القائم على إدارة الاقتصاد السوداني عبر التوسع في تشكيل اللجان.
وحذر في حديثه مع “المحقق” من تحول هذا الأسلوب إلى “بيروقراطية لجان” تعطل العمل المؤسسي وتضعف المساءلة، لافتاً إلى أن تشكيل اللجنة الجديدة بنفس الأسلوب والوجوه الكلاسيكية المتكررة لن يحدث فارقاً ملموساً في الأداء.

وأشار بن عمر إلى أن أعضاء هذه اللجان يكررون أنفسهم في غالبية الأجسام الاقتصادية مع تغيير المسميات فقط، مما يحد من فرص تقديم رؤى وآليات عمل مبتكرة تخرج البلاد من أزمتها الاقتصادية.

تضارب الاختصاصات وتعدد مراكز القرار: أعمالمصرفية

وأكد بن عمر على وجود تقاطع واضح وكبير بين اختصاصات “اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد” المعلنة مؤخراً، و “لجنة الطوارئ الاقتصادية” السابقة، لا سيما في ملفات حيوية مثل إدارة سعر الصرف والسياسات المالية والنقدية، وتحصيل الإيرادات العامة ودعم الإنتاج والتجارة والقطاع الخارجي وملفات الأمن الغذائي والطاقة.

وشدد على ضرورة توضيح حدود العلاقة بين اللجنتين، وتحديد الجهة التي تقود القرار الاقتصادي بدقة لمنع تضارب المسارات والحد من ظاهرة تعدد مراكز اتخاذ القرار.

ودعا إلى تقييم شفاف ومدروس لأداء لجنة الطوارئ الاقتصادية للرأي العام يشمل ما تحقق في استقرار النقد، والإيرادات، والمرتبات، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية قبل الانتقال إلى أي هيكل جديد، لضمان استناد القرارات إلى مراجعة الأداء لا مجرد تغيير المسميات.

تفريغ الوزارات واستقلالية “بنك السودان”:

وتساءل ابن عمر عن الدور المتبقي للوزارات والمؤسسات التنفيذية المختصة في ظل وجود لجان تسيطر على الملفات الاقتصادية الكبرى، مؤكداً أن الاستمرار في هذا النهج يفرغ الوزارات من صلاحياتها ويحولها إلى مجرد أدوات تنفيذية لقرارات تُصنع خارج هياكلها الرسمية، وهو ما يخالف قواعد الحوكمة الرشيدة.

ونبه إلى خطورة إقحام اللجان ذات الطابع التنفيذي والسياسي في الملفات الفنية الخالصة، ككبح التضخم وإدارة سعر الصرف، مشدداً على أن هذه المهام تقع حصرياً ضمن صلاحيات بنك السودان المركزي وأدواته في إدارة السيولة والنقد الأجنبي.
وشدد على أهمية الحد من التغول على استقلالية البنك المركزي والوزارات، مؤكداً أن الحل يكمن في ترسيخ دور المؤسسات الدائمة، بحيث يقتصر دور اللجان العليا على التنسيق بين السياسات المالية والنقدية وإزالة التعارض بينها، بدلاً من أن تصبح بديلاً للمؤسسات أو تنتقص من صلاحياتها الفنية والتنفيذية.

بدوره أكد الخبير الاقتصادي، د. هيثم محمد فتحي، عجز مراكز اتخاذ القرار الاقتصادي عن تقديم أو تنفيذ خطة عمل فعالة لدعم الاقتصاد الوطني، مستدلاً باستمرار ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني وتفاقم معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة.

وأشار إلى أن أبرز مظاهر هذا العجز تتمثل في زيادة الواردات التي تنافس المنتج الوطني مثل استيراد المياه الصحية والمشروبات الغازية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي في المناطق الآمنة، وهو ما أدى إلى خروج عدد كبير من المصانع والورش من دائرة الإنتاج، وتراجع النشاط الصناعي العام.

وطالب فتحي في حديثه لــ”المحقق” بضرورة الانتقال العاجل من نمط الإدارة التقليدية إلى إدارة أزمة اقتصادية شاملة ترتكز على محورين أساسيين وهما: الانضباط المالي والاستدامة، والتحول الرقمي ومكافحة الفساد عبر تفعيل الأنظمة الإلكترونية للإدارة المالية والضرائب والجمارك والزكاة لتقليل الهدر وتعزيز إيرادات قطاع المعادن وعلى رأسها الذهب.

وأكد على وجود تحديات إدارية تواجه عمل اللجان المشكلة، مشيراً إلى وجود ضعف في التنسيق بين المؤسسات، وتداخل في الصلاحيات، وتعقيدات بيروقراطية تُعيق الإصلاح.

ونوه فتحي إلى أن الاعتماد على الحلول المؤقتة لم يعد مجدياً لمواجهة الأزمات المتكررة، لا سيما أن المرحلة تتطلب الانتقال من رد الفعل بعد وقوع الأزمة إلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على التنبؤ بالمخاطر واحتوائها مبكراً لضمان الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.

نقلا عن “المحقق”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى