الخرطوم : حفية نورالدائم في خطوة تستهدف تحفيز الاقتصاد وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، أعلن بنك السودان المركزي رفع سقوف التمويل الأصغر والصغير، في قرار أثار تفاعلاً واسعاً بين الخبراء والمصرفيين والمواطنين، بين من يراه ضرورة اقتصادية ملحّة، ومن يحذر من تحديات التنفيذ والمخاطر المحتملة. خبراء الاقتصاد: خطوة مطلوبة بشروط ويرى عدد من الخبراء أن القرار يمثل استجابة مباشرة للضغوط الاقتصادية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة التمويلية. ويؤكد الخبير الاقتصادي د. محمد عبد الله أن “زيادة سقوف التمويل تعكس واقع السوق الحالي، لكنها تحتاج إلى توجيه صارم نحو القطاعات الإنتاجية”. في السياق ذاته، يصف الخبير الاقتصادي محمد الناير القرار بأنه “خطوة ممتازة ومهمة”، من شأنها معالجة قضايا جوهرية تمس الشرائح الضعيفة ومحدودة الدخل، عبر تمكينها من الوصول إلى التمويل والدخول في دائرة الإنتاج. ويضيف أن هذه الخطوة تمثل تحولاً في بنية الاقتصاد المجتمعي، حيث تساعد الأفراد والأسر على الانتقال من مرحلة الاستهلاك إلى الإنتاج، بدلاً من الاعتماد على الوظائف ذات الدخل المحدود، مشيراً إلى أن التمويل الأصغر يفتح المجال لإطلاق مشروعات صغيرة مدرة للدخل بصورة مستدامة. ويؤكد الناير أن التوسع في التمويل الأصغر يسهم مباشرة في خفض معدلات البطالة، عبر تمكين أعداد كبيرة من المواطنين من إنشاء مشاريع إنتاجية، داعياً إلى إلزام المصارف بتخصيص ما لا يقل عن 12% من محافظها التمويلية لهذا القطاع، نظراً لسهولة إجراءاته وضماناته مقارنة بالتمويلات الكبيرة. كما يشير إلى أن الأثر الإيجابي لن يقتصر على الأفراد، بل سيمتد إلى الاقتصاد الكلي، من خلال زيادة الإنتاج، وتحسن دخول الأسر، وارتفاع عرض السلع، ما ينعكس في استقرار الأسعار وانخفاضها. ويحذر الناير من مخاطر سوء التوجيه، مؤكداً أن نجاح هذه السياسات يعتمد على توجيه التمويل نحو مشروعات إنتاجية حقيقية في الزراعة والصناعة والخدمات، بعيداً عن الأنشطة غير المنتجة. ويلفت إلى أن العديد من الشركات الكبرى بدأت كمشروعات صغيرة، ما يجعل دعم هذا القطاع استثماراً استراتيجياً طويل الأجل، متوقعاً أن يؤدي توسع المشاريع الصغيرة إلى “تجميع إنتاجي” يعزز من قدرات الاقتصاد الوطني. كما يرى أن هذه الديناميكية ستسهم في إحلال الواردات وتقليل الفجوة الإنتاجية، إلى جانب دعم الصادرات، ما ينعكس إيجاباً على الميزان التجاري عبر تقليص العجز. ويختتم الناير بالقول إن مؤشرات هذه الخطوة “إيجابية بكل المقاييس”، شريطة التنفيذ الفعّال، مؤكداً أن التمويل الأصغر يمثل أحد أهم أدوات تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة. المصرفيون: تحديات السيولة والضمانات في القطاع المصرفي، تبدو النظرة أكثر حذراً. إذ يؤكد مصرفيون أن رفع سقوف التمويل يضع تحديات إضافية على البنوك، خاصة في ظل شح السيولة وارتفاع المخاطر. ويقول أحد مديري البنوك التجارية إن “التوسع في التمويل دون معالجة مشكلات الضمانات قد يؤدي إلى زيادة معدلات التعثر، خصوصاً في القطاعات الصغيرة التي تفتقر إلى ضمانات كافية”. ويضيف أن “المطلوب ليس فقط رفع السقف، بل تبسيط الإجراءات وتطوير أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة المشروعات الصغيرة”، مشيراً إلى أهمية استقرار البيئة الاقتصادية لضمان نجاح هذه السياسات. ترحيب مشروط بالوصول الفعلي على مستوى الشارع، قوبل القرار بترحيب مشوب بالحذر. إذ يرى أصحاب المشروعات الصغيرة أن زيادة سقف التمويل تمثل فرصة للنمو، لكنها تظل رهينة بسهولة الوصول إليه. يقول أحمدالطبب، صاحب ورشة نجارة: “المشكلة ليست في سقف التمويل، بل في الإجراءات والضمانات التي تعيق الحصول عليه”. أما فاطمة عبدالقادر ، صاحبة مشروع منزلي في الأغذية، فتؤكد أن “التمويل يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً، إذا كان متاحاً بشروط ميسرة، خاصة للنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة”. ويشير عدد من المواطنين إلى أن التمويل وحده لا يكفي، ما لم تتم معالجة ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف النقل. قراءة عامة: بين الطموح والتطبيق تعكس آراء المشاركين في الاستطلاع حالة من التوازن بين التفاؤل والحذر. فبينما يُنظر إلى القرار كخطوة إيجابية نحو دعم الإنتاج وتعزيز الشمول المالي، تبرز تحديات تتعلق بالتنفيذ، أبرزها السيولة، والضمانات، واستقرار السوق. ويرى مراقبون أن زيادة سقوف التمويل يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر إنتاجية، إذا ما تم ربطها بسياسات داعمة، تشمل تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل الإجراءات، وتعزيز الرقابة على توجيه التمويل. بين رهانات الخبراء وتحفظات المصرفيين وتطلعات المواطنين، يبقى قرار زيادة سقوف التمويل اختباراً عملياً لقدرة السياسات الاقتصادية على الانتقال من النصوص إلى الواقع، وتحقيق أثر ملموس في دعم الإنتاج وتحسين سبل العيش في السودان.