رأي

انهيار العملة الوطنية في السودان: رؤية منظومية تتجاوز ثقافة إطفاء الحرائق

د. إسماعيل ساتي

يشهد السودان منذ سنوات تدهوراً مستمراً في قيمة عملته الوطنية، حتى أصبح ارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه حدثاً متكرراً يكاد يفقد الناس القدرة على الدهشة. ومع كل موجة جديدة من التراجع تتجدد المطالبات بالتدخل العاجل، وتُطرح الحلول التقليدية ذاتها: ملاحقة تجار العملة، تشديد الرقابة على الأسواق، فرض قيود مصرفية جديدة، أو اتخاذ إجراءات مؤقتة للحد من الطلب على النقد الأجنبي.

ورغم أهمية بعض هذه الإجراءات في احتواء الأزمات قصيرة الأجل، إلا أن التجربة أثبتت أنها لا تحقق استقراراً دائماً، لأن معظمها يتعامل مع أعراض الأزمة لا مع أسبابها العميقة. وهنا تبرز أهمية ما يعرف بالفكر المنظومي، الذي ينظر إلى المشكلات باعتبارها مخرجات لمنظومات كاملة من العلاقات والسياسات والمؤسسات، لا مجرد أحداث منفصلة يمكن علاجها بقرارات جزئية.

من هذا المنظور، فإن انهيار الجنيه السوداني ليس في جوهره أزمة نقدية، بل هو انعكاس لاختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة في بنية الاقتصاد والدولة. فالعملة ليست سوى مرآة تعكس قوة الاقتصاد الحقيقي وقدرته على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار. وعندما يضعف الاقتصاد، تضعف العملة بالضرورة.

لقد أدت الحرب إلى تعميق هذه الاختلالات بصورة غير مسبوقة. فقد تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية للتدمير، وتعطلت الأنشطة الإنتاجية، وتضررت المصانع، وتوقفت سلاسل الإمداد والنقل، وتراجعت الصادرات، وارتفعت تكلفة ممارسة الأعمال. وفي المقابل، استمرت الحاجة إلى استيراد الوقود والسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، لا سيما مع عودة المواطنين إلى مناطقهم وعودة الأنشطة الاقتصادية والتجارية إلى العمل تدريجياً، الأمر الذي رفع الطلب على العملات الأجنبية في وقت كانت فيه مصادر النقد الأجنبي قد تعرضت لتراجع حاد.

لكن الحرب وحدها لا تفسر الأزمة. فقبل اندلاعها بسنوات طويلة ظل الاقتصاد السوداني يعاني من مشكلات هيكلية عميقة، أبرزها الاعتماد على تصدير المواد الخام، وضعف التصنيع، واختلال الميزان التجاري، وتراجع الإنتاجية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

ولعل قطاع التعدين يمثل أحد أبرز الأمثلة على الفشل في تحويل الموارد الوطنية إلى قوة اقتصادية حقيقية. فالسودان يمتلك ثروات معدنية ضخمة، وعلى رأسها الذهب، ويعد من أكبر المنتجين في القارة الأفريقية. ومع ذلك ظلت الدولة لعقود تتعامل مع هذا القطاع بمنهج أقرب إلى الإدارة العشوائية منه إلى التخطيط الاستراتيجي.

فقد انتشر التعدين التقليدي بصورة واسعة دون تنظيم كاف، وازدهرت شبكات التهريب المنظمة التي نجحت في إخراج كميات ضخمة من الذهب عبر الحدود بعيداً عن القنوات الرسمية. وبدلاً من أن يتحول الذهب إلى احتياطي نقدي يدعم العملة الوطنية ويوفر مورداً مستقراً للخزينة العامة، أصبح جزء كبير منه يغادر البلاد دون أن تستفيد منه الدولة أو الاقتصاد القومي بالقدر المطلوب.

إن دولة تنتج هذا الحجم من الذهب كان يفترض أن تمتلك قدرة أكبر على دعم استقرار عملتها، لو أنها نجحت في إنشاء منظومة متكاملة تشمل تنظيم الإنتاج وإنشاء بورصة وطنية للذهب وإحكام الرقابة على الصادرات وتوفير حوافز تشجع المنتجين على التعامل عبر القنوات الرسمية.

وفي المقابل، اتخذت الحكومة الحالية بقيادة الدكتور كامل إدريس بعض الإجراءات الرامية إلى تخفيف الضغط على النقد الأجنبي، ومن بينها الحد من استيراد بعض السلع الكمالية وغير الضرورية. ولا شك أن هذه السياسات قد تسهم في تقليل الطلب على العملات الأجنبية وتحقيق قدر من الاستقرار المؤقت. غير أن الفكر المنظومي يميز بين الإجراءات التكتيكية والإصلاحات الاستراتيجية. فخفض الواردات الكمالية يمكن أن يوفر بعض النقد الأجنبي اليوم، لكنه لا يخلق مورداً جديداً للنقد الأجنبي غداً. كما أن تأجيل بعض المشروعات أو تجنب التوسع في إعادة إعمار البنيات التحتية بسبب شح العملات الصعبة قد يحسن المؤشرات المالية مؤقتاً، لكنه قد يحرم الاقتصاد من مصادر النمو المستقبلي.

إن السؤال الجوهري ليس كيف نقلل الطلب على الدولار فقط، وإنما كيف نزيد إنتاج الدولار داخل منظومة الاقتصاد الوطني. وهنا ينتقل النقاش من إدارة الأزمة إلى بناء الحلول المستدامة. فإعادة تأهيل البنيات التحتية الاستراتيجية يجب أن تُنظر إليها باعتبارها استثماراً إنتاجياً لا عبئاً مالياً. فإعادة بناء مصفاة الجيلي، وتأهيل مصفاة بورتسودان، وتطوير حقول النفط وزيادة الإنتاج المحلي من المشتقات البترولية، يمكن أن تقلل فاتورة الاستيراد وتوفر ملايين الدولارات سنوياً. كما أن إعادة تأهيل شبكات السكك الحديدية والطرق القومية والموانئ وخطوط النقل النهري لا تمثل مجرد مشروعات خدمية، بل تخفض تكلفة الإنتاج والتصدير وتزيد القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني.

وينطبق الأمر ذاته على القطاع الزراعي الذي ظل لعقود يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني. فإعادة تأهيل مشروع الجزيرة ومشروعات الرهد والسوكي وحلفا الجديدة، وتحسين نظم الري، وتطوير الخدمات الزراعية، يمكن أن تعيد السودان إلى موقعه الطبيعي كدولة منتجة ومصدرة للغذاء.

غير أن تصدير المواد الخام وحده لم يعد كافياً في عالم اليوم. ولذلك فإن القيمة الحقيقية تكمن في التصنيع الزراعي والصناعات التحويلية. فبدلاً من تصدير القطن الخام، يمكن تصدير المنسوجات. وبدلاً من تصدير الماشية الحية، يمكن تصدير اللحوم المصنعة. وبدلاً من تصدير المنتجات الأولية، يمكن إنشاء سلاسل قيمة متكاملة توفر فرص العمل وتضاعف العائدات من النقد الأجنبي.

كما أن السودان يمتلك فرصاً كبيرة في مجالات الصمغ العربي، والصناعات الغذائية، والجلود، والمعادن، والطاقة المتجددة، إذا ما توفرت الرؤية الاستراتيجية والاستقرار المؤسسي.

وفي نهاية المطاف، فإن قوة العملة الوطنية ليست قراراً يصدره البنك المركزي، ولا حملة أمنية ضد المضاربين، ولا مجموعة من القيود الإدارية المؤقتة. قوة العملة هي النتيجة الطبيعية لقوة الاقتصاد الذي يقف خلفها. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الدولار في حد ذاته، وإنما مع الأسباب التي جعلت الاقتصاد السوداني يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يصدر، ويفقد جزءاً كبيراً من موارده عبر التهريب وضعف الإدارة.

إن السودان يحتاج اليوم إلى الانتقال من ثقافة إطفاء الحرائق إلى ثقافة بناء المنظومات. يحتاج إلى رؤية وطنية طويلة الأمد تجعل من الإنتاج والتصدير والبنية التحتية والحوكمة الرشيدة أدوات رئيسية لاستعادة التوازن الاقتصادي. وعندما تنجح الدولة في بناء هذه المنظومة، فإن استقرار الجنيه لن يكون هدفاً تسعى إليه السلطات كل يوم، بل سيكون النتيجة الطبيعية لاقتصاد قوي ودولة قادرة ومجتمع منتج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى