خالد محمد أحمد
تفنَّن كثيرون في تفكيك أسباب خروج خالد سِلِك عن طوره عقب زيارة القائد المصباح أبو زيد طلحة قرية فداسي وما أطلقه من تصريحاتٍ خلالها. غير أن معظم تلك القراءات أغفلت الزاوية الأهمّ، وهي أن انتخاباتٍ فعلية قد جرت في قلب المجتمع، وأن عملية الاقتراع كانت شفَّافة، والفرز فوريًا، والنتيجة قطعية لا تقبل الطعن أو الاستئناف.
لم تكن فداسي المحطة الأولى للمصباح، ولن تكون الأخيرة. لكن ما أوغر صدر سِلِك هذه المرَّة وأصاب كبرياءه السياسي في مقتل أن الزيارة كانت لدائرته الانتخابية الأولى؛ أيْ محيطه الاجتماعي الضيِّق، الذي يمنحه نظريًا صكَّ القبول وشرعية الانطلاق نحو الفضاء العام. وحين يَسقُط السياسي اجتماعيًا في دائرته الصغرى، يصبح حديثه عن تمثيل الوطن كلِّه خطابًا فارغًا وادعاءً مثيرًا للرثاء؛ إذْ لا يستقيم عقلًا لمَن عجز عن إقناع أهله أن يطالب بثقة وطنٍ بأكمله.
أمَّا لغة الهجوم والوعيد التي لجأ إليها، فقد بدت وكأنَّها طعنٌ في النتيجة بعد إغلاق الصناديق. لكنه اعتراضٌ بلا سند، لأن “الناخبين” في فداسي لم يصوِّتوا لمَن يطارد الظهور في المؤتمرات الدولية، ويتنعَّم بالإقامة في الفنادق مدفوعة الثمن، ولا لمَن يحترف الخطابة أمام الميكروفونات، بل صوَّّتوا لمَن يمتشق سلاحه، ويغادر دفءَ بيته ليحميهم في بيوتهم ساعة الخطر.
لم تُسقِط فداسي سِلِك بقدر ما عرَّت الفراغ الذي كان مستورًا بطبقاتٍ كثيفة من الشعارات. كشفت أن الشرعية في زمن الحرب لا تُقاس بضجيج الجولات الدولية، ولا بعدد المقابلات التلفزيونية، ولا بحِدَّة التغريدات، بل بالقدرة على الفعل في الميدان. أكَّدت أن الشرعية لا تنتظِر نهاية مرحلةٍ انتقالية متخيَّلة، بل تُحسَم في اللحظة التي يطلب فيها الناس الأمان، ويختارون مَن يوفِّره. ومن لا يحتمل هذه القاعدة، فمشكلته ليست مع المصباح، بل مع واقع السودان نفسه.
كلُّ ما سبق يفسِّر ثوران سِلِك؛ فالديمقراطية التي لطالما بشَّر بها جرت هذه المرَّة خارج نصوصه، وبقواعد لا يملك التحكُّم في “هندستها”.
وهكذا أرسلت فداسي رسالةً سياسية عملية لسِلِك وبقية زمرته من ناشطي (صمود) مفادها أن “المحلية هي أقرب طريق إلى العالمية”.