الهندي وسبي… متلازمة الهمّ والقبر

الفاتح عبدالله
في أرضٍ تزدحم بالدراما، وتفيض بالأساطير، وتُستدعى فيها الآلهة عند المنعطفات الكبرى، أسدل الستار على قصة سودانية كاملة الدسم، مُرّة المذاق، مستقيمة القامة. قصة رجلٍ سار بين جماهير شعبه على سيرة الوفاء والصدق؛ كان يُغمض عينيه على وجع هذه البلاد، وتصحـو مقلتاه مشعتين أملاً بأن إنسان هذه الجغرافيا يولد وفي يديه تذكرة دائمة للبحث عن الديمقراطية والحياة الكريمة.
كان «هندي» — كما أحب الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر أن يناديه — رجلاً من طينة العظماء قولاً وفعلاً. صاغته التربية، وعمّدته التجربة، إذ نشأ في بيتٍ امتزجت فيه الصوفية بالسياسة، فانبثقت شخصيته مشبعة بالزهد والالتزام العام. جاء الهندي وفي قلبه وشم الوطن، تسري الديمقراطية في شرايينه، وتسكن الحرية مجرى دمه.
امتلك مفاتيح محبة الناس بتواضعه، ونُبله، وثقافته الرفيعة، وانحيازه الدائم لهموم المواطن البسيط. وكان اهتمامه بالمشاريع الزراعية، وعلى رأسها مشروع الجزيرة، ترجمة عملية لقناعته بأن الزراعة هي عصب الاقتصاد السوداني ومفتاح نجاته. لم يكتفِ بالخطاب، بل كان يتابع المواسم الزراعية بنفسه، ويعمل على تذليل العقبات التي تواجه المزارعين. وبلغ هذا النهج ذروته حين تقلد مسؤولية الاقتصاد، فشهد الجنيه السوداني واحدًا من أقوى مراحله، إذ فاقت قيمته ثلاثة دولارات مقابل الدولار الأمريكي، إنجازًا ارتبط باسمه وقيادته.
وفي التاسع من يناير عام 1982م، داخل الغرفة رقم (222) بفندق الملك مينوس بالعاصمة اليونانية اثينا، ترجل فارس الكلمة، وفصيح اللسان، وقوي الحجة، كريم الخصال، الشريف حسين الهندي، مسلّمًا روحه إلى بارئها، ليطوي فصلًا استثنائيًا من حياة أحد أشرس السياسيين السودانيين، وأصلب المعارضين لنظام الرئيس الراحل جعفر نميري. كانت معارضته نظيفة اليد، ناصعة الولاء، لا تعرف المساومة حين يتصل الأمر بالسودان وشعبه.
رحل الهندي تاركًا وراءه همًّا ينوء بحمله الجبل، وأسئلة كبرى عن الحكم والدولة، لم تجد بعدُ إجاباتها الشافية.
مع انقلاب الفريق عبود عام 1958م، غادر الهندي مصر رافضًا الانحناء للعسكر، وكرّس جهده للعمل الوطني مع القوى السياسية، بينما كان يمارس التجارة ستارًا لحراكه السياسي. وفي تلك الفترة، تمدد نشاطه ليشمل دعم حركات التحرر الإفريقي؛ فتارة ترد الأنباء عن دعمه لثوار الجزائر، متنقلاً في صحارى إفريقيا، قاطعًا الفيافي والوديان لإسناد أحمد بن بيلا ورفاقه ضد الاستعمار الفرنسي. ولم تكد تلك الأخبار تخبو حتى شاع اسمه في أحراش القارة، مساندًا للمناضل الشهيد باتريس لومومبا، يقدم العون المادي والمعنوي في مواجهة الاحتلال البلجيكي.
وبإخلاصٍ نادر، لعب الشريف حسين الهندي دورًا محوريًا في زمن المدّ التحرري الإفريقي، حتى أسقط الشعب السوداني نظام عبود في ثورة أكتوبر 1964م. عاد بعدها إلى الوطن، وتقلد منصب وزير الري، ثم وزير المالية، إلى أن أطاح انقلاب مايو عام 1969م بالحكومة الديمقراطية.
منذ تلك اللحظة، كرّس الهندي حياته لمواجهة نظام نميري، معارضةً صلبة لا تعرف المواربة ولا التملق. ونظّم صفوف المعارضة المسلحة عام 1976م في إطار «الجبهة الوطنية» مع حزب الأمة وجماعة الإخوان المسلمين، وكان عقلها المفكر، ومنظّرها، وقائد مسيرتها. وبحضوره، اكتسبت الجبهة ثقلًا سياسيًا وإقليميًا على المستويين الإفريقي والعربي. غير أن تلك المرحلة انتهت بما عُرف بالمصالحة الوطنية بين الصادق المهدي وحسن الترابي، وهي تسوية رفضها الهندي رفضًا قاطعًا، مفضّلًا درب النضال على مساومات السياسة.
انتقده البعض لقيادته العمل العسكري، معتبرين أن الخيار السياسي كان أولى. غير أن هذه القراءة تغفل واقع تلك المرحلة، حيث كانت دوائر أمنية داخل نظام نميري تدفع نحو التصفية الجسدية للمعارضة، وعلى رأسها الشريف حسين الهندي، الذي ظل هدفًا دائمًا بحكم تحركاته ونشاطه، لا سيما في بيروت.
ظل همّ الهندي حتى وفاته هو إرساء دولة الحرية والديمقراطية. وبرغم قصر عمره، فقد عاش مكثفًا، متقدًا، كالشعلة التي تحترق لتضيء الطريق لغيرها.
ولم تمهله الأقدار ليشهد سقوط نميري، الذي أطاح به الشعب في انتفاضة أبريل 1985م، بعد ثلاثة أعوام فقط من رحيل الهندي، الذي ووري الثرى في مقابر الأسرة ببري، بعدما صُلي عليه في ثلاث قارات: العراق، واليونان، وطرابلس.
وتتكشف أوجه شبه لافتة بين الشريف حسين الهندي والمناضل الإريتري الراحل عثمان صالح سبي؛ ذاك المعلم الذي ترك الطباشير في مدرسة حرقيقو، واختار طريق الثورة. فانخرط مع رفاقه بقيادة الشهيد حامد عواتي عام 1961م، مفجرين الثورة الإريترية ضد الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي أجهض الكونفدرالية وضم إريتريا قسرًا.
أسهم سبي في تأسيس جبهة التحرير الإريترية، وتولى ملف علاقاتها الخارجية، وجعل من صوته منبرًا للقضية الإريترية في المحافل العربية والإفريقية. عاش منفيًا، مناضلًا، حتى صار توأمًا للهندي في المعنى والمصير ، نضال بلا هوادة، وتضحية بلا حساب.
وحين سُئل سبي عن ردهم على محاولات طمس الهوية الإريترية، اختصر الطريق بكلمة واحدة: «التحرير».
توفي عثمان صالح سبي في الرابع من أبريل 1987م بالقاهرة، وشيّعه شعبه في مواكب مهيبة، ودفن في مقابر السيد المحجوب بالخرطوم بحري. وبعد سنوات، تنفست أسمرا هواء الاستقلال، كأنما كانت الأرواح التي رحلت هي من مهدت له الطريق.



