رأي

المغترب شريك لا مصدر: كيف يستعيد السودان دولارات أبنائه في الخارج عبر حوافز حقيقية؟

وليد دليل
خبير مصرفي
في كل أزمة نقد أجنبي يمر بها اقتصاد مأزوم، يظل هناك مورد واحد لا يتوقف مهما اشتدت الحرب أو تعطلت الصادرات: قلب المغترب المتعلق بأهله. فالسوداني في الخليج أو أوروبا أو أميركا لا يكف عن إرسال ما يقدر عليه لأسرته، لكن السؤال الذي يحدد مصير هذا المورد ليس “هل سيرسل؟” بل “من أي طريق سيرسل؟”. وهذا السؤال بالذات هو ما تحول من تفصيل فني إلى أزمة اقتصادية كبرى في السودان اليوم، وتكفي الأرقام المتاحة لتوضيح حجمها.
فحين توقف النظام المصرفي وتضرر البنك المركزي في فترات متلاحقة من الحرب، تراجعت تحويلات المغتربين السودانيين عبر القنوات الرسمية بنسبة تفوق السبعين في المئة. والأرقام المطلقة أكثر إيلاماً من النسبة المئوية وحدها: فقد كشف الأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج أن البلاد فقدت تحويلات مغتربين تُقدَّر بما بين أربعة وستة مليارات دولار سنوياً بسبب الحرب، وهو نفس المدى الذي رصدته تقديرات سابقة حين قُدرت إمكانات هذه التحويلات بما لا يقل عن ستة مليارات دولار سنوياً في شكل تحويلات واستثمارات من المهاجرين. لكن المفارقة الصادمة تكمن في المقارنة بين هذا الرقم الكامن وما يصل فعلياً عبر البنوك: فبينما تُقدَّر التحويلات الكلية بنحو ستة مليارات دولار، أشارت تقديرات إلى أن ما يمر منها عبر القنوات الرسمية لا يتجاوز المئة مليون دولار سنوياً فقط. فجوة بهذا الاتساع، بين مورد كامن بالمليارات وحصيلة رسمية لا تتجاوز عشرات الملايين، ليست خللاً هامشياً في السياسة النقدية، بل دليل على أن الدولة تخسر يومياً معركة الثقة مع أبنائها في الخارج.
ولفهم حجم ما يمكن أن يتحقق حين تُدار هذه الملفات بحوافز جادة ومؤسسات موثوقة، تكفي الإشارة إلى تجربة مقارنة في المنطقة: فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة تفوق الأربعين في المئة عن العام الذي سبقه، واستمرت هذه القفزة خلال العام المالي الحالي لتقترب من 43.1 مليار دولار خلال الأحد عشر شهراً الأولى منه فقط. هذا الفارق الهائل بين اقتصاد استطاع أن يجعل من تحويلات مغتربيه رافداً استراتيجياً متصاعداً، واقتصاد آخر لا يزال يخسر أكثر من نصف مورده الكامن لصالح شبكات الحوالة غير الرسمية، لا يعود إلى فارق في حجم الجاليتين أو ثرائها بقدر ما يعود إلى فارق في الثقة والسياسة السعرية والبنية المؤسسية المصاحبة.
والسبب في هذا التسرب ليس معقداً حين ننظر إلى فجوة سعر الصرف: فبينما يقبع السعر الرسمي بعيداً عن الواقع، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي أربعة آلاف وأربعمئة جنيه، وهذا الفارق الصارخ يجعل أي مغترب عاقل يبحث عن الطريق الذي يحفظ لأسرته أكبر قيمة ممكنة لعرقه وتعبه. لكن المشكلة الأعمق ليست سعرية فحسب، بل مشكلة ثقة في العملة الورقية نفسها: مغترب عاش سنوات من التضخم المتسارع وانهيار متتالٍ في قيمة الجنيه لن يقتنع بسهولة بأن مدخراته، حتى لو أودعها بسعر عادل اليوم، ستحتفظ بقيمتها غداً. وهنا بالضبط يصبح الذهب أداة لا غنى عنها، ليس كرمز تراثي، بل كحل هندسي لمشكلة اقتصادية محددة: كيف تمنح المدخر ضماناً لا يتآكل مع كل موجة تضخم جديدة؟
فبدل أن تظل الحوافز مقتصرة على خصومات جمركية أو أولويات سكنية، يمكن للدولة أن تطرح أداة ادخارية مبتكرة: شهادة أو “سبيكة” ذهب مصغرة، أو ما يمكن تسميته جنيهاً ذهبياً، يُصدرها بنك السودان ضماناً مباشراً منه، بحيث يستطيع المغترب أن يحول جزءاً من تحويلاته الشهرية لشراء وحدات مقومة بوزن الذهب لا بقيمة الجنيه المتقلبة. هذه الأداة تحل معضلتين دفعة واحدة: من جهة تمنح المغترب أداة ادخار يثق فيها لأنها مربوطة بأصل حقيقي لا يفقد قيمته بفعل التضخم المحلي، ومن جهة أخرى تحول تحويلات الاستهلاك اليومي إلى تحويلات ادخار واستثمار طويل الأجل تبقى داخل الجهاز المصرفي بدل أن تُصرف فوراً أو تعود لسوق الصرف الموازي بحثاً عن ملاذ آمن. والسودان في موقع مؤات لهذا الخيار تحديداً، فهو بلد منتج للذهب أصلاً، وربط أداة الادخار بمنتج محلي استراتيجي يقلل الحاجة لاستيراد غطاء الضمان من الخارج، ويحول قطاع التعدين من مصدر تهريب وصراع نفوذ، كما تكشف تقارير متكررة عن فوضى الذهب الأهلي، إلى رافد مباشر لثقة المدخر المغترب.
الحل العام إذن يبدأ من حيث تبدأ كل معالجة اقتصادية جادة: تضييق الفجوة السعرية أولاً، ثم بناء طبقة من الحوافز الحقيقية فوقها. نافذة صرف خاصة بتحويلات المغتربين، تُعلن سعرها يومياً بشفافية كاملة وتقترب من سعر السوق الفعلي، هي الخطوة التي لا يمكن تجاوزها، وبنك السودان بدأ بالفعل يتحرك في هذا الاتجاه عبر تبني نهج أكثر مرونة في إدارة سعر الصرف. فوق هذا الأساس، تأتي حزمة الحوافز: نظام تراكمي يربط حجم المزايا بحجم التحويل الرسمي، خصم جمركي حقيقي على مستلزمات إعادة إعمار منزل تضرر بالحرب، أولوية في مشروعات الإسكان مقابل تحويل جزء من قيمتها عبر البنك، حسابات ادخار بالعملة الأجنبية بضمانات واضحة، وفي قلب هذه الحزمة شهادة الذهب المضمونة من البنك المركزي كأداة ادخار تعيد للمغترب إحساساً بأن قيمة ما يرسله محفوظة لا مهددة.
الإطار المؤسسي اللازم لتفعيل هذه الحوافز يقوم على أربع ركائز. الركيزة الأولى بنية رقمية آمنة تتيح للمغترب إتمام التحويل وشراء وحدات الذهب من هاتفه مباشرة دون الحاجة لفرع مصرفي مادي. الركيزة الثانية حوكمة شفافة لسعر الصرف وسعر الذهب المعلن يومياً، بحيث يصبحان مرجعاً ثابتاً يثق فيه المغترب. الركيزة الثالثة ضمانات قانونية صريحة بعدم مصادرة أو تجميد هذه الحسابات أو شهادات الذهب لأي اعتبار إداري طارئ، وهي نقطة حساسة بشكل خاص لأن نجاح أداة الذهب مرهون كلياً بثقة المدخر أن البنك المركزي سيفي بضمانه عند الاسترداد لا أن يتحول الوعد إلى التزام ورقي معلق. والركيزة الرابعة استمرارية السياسة عبر التقلبات الأمنية والإدارية، لأن أداة ادخار مبنية على الثقة تنهار من أول اهتزاز في الالتزام الحكومي بها.
وحين نضع كل هذا في سياق الأولويات الوطنية، يصبح الاستنتاج واضحاً بلا مبالغة: أسرع طريق متاح أمام السودان لزيادة موارد النقد الأجنبي في المدى القريب ليس انتظار تعافي الصادرات التقليدية، بل استعادة ثقة المغترب في القناة المصرفية عبر حزمة حوافز حقيقية تجمع بين سعر صرف عادل وأداة ادخار محصنة من التضخم كشهادة الذهب المضمونة. فالفجوة بين ستة مليارات دولار كامنة ومئة مليون دولار فعلية ليست مجرد رقم إحصائي، بل مقياس دقيق لحجم الفرصة الضائعة يومياً. وحين يشعر المغترب أن الدولة تعامله كشريك في إعادة البناء، وتمنحه أداة يثق أنها ستحفظ قيمة تعبه ولو انهار الجنيه من حوله، فإن هذا النهر من الدولارات يمكن أن يغير مسار سعر الصرف نفسه، بشرط ألا تُختزل السياسة في وعود عابرة، بل تُبنى على التزام مؤسسي راسخ لا بديل عنه مهما تعددت المزايا المعلنة على الورق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى