رأي

المشروع الأمريكي للهدنة في السودان وتحفظ قيادة الجيش على البند السادس: ماذا تقول السوابق الدولية؟

ورقة تحليلية في ضوء القانون الدولي والسوابق التاريخية لإنهاء الحروب الأهلية

بقلم: مبارك المهدي

رئيس حزب الأمة

مقدمة

منذ يونيو 2024، ومع تفاقم المأساة الإنسانية واتساع رقعة الحرب، وما صاحبها من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين ارتكبتها قوات الدعم السريع ، شملت القتل والنهب والاعتداء على الممتلكات في مناطق واسعة من البلاد، ترسخت القناعة بأن هذه الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكرياً، وأن استمرارها لم يعد يحقق أي مصلحة وطنية، بل يهدد وحدة السودان، ويستنزف مؤسسات الدولة، ويعمق الكارثة الإنسانية.

وانطلاقاً من هذه القناعة، أصدر حزب الأمة موقفاً واضحاً دعا فيه إلى وقف الحرب، والالتزام بإعلان جدة لحماية المدنيين، والبناء على اتفاق المنامة باعتباره أساساً للانتقال إلى وقف شامل لإطلاق النار، وصولاً إلى تسوية سياسية تعيد بناء الدولة وتستأنف مسار الحكم المدني الديمقراطي.

وفي هذا الإطار، يرحب الحزب بالمقترح الأمريكي الداعي إلى هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، باعتباره مدخلاً عملياً لتخفيف معاناة المدنيين، وتهيئة المناخ لمفاوضات وقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى معالجة جذور الأزمة عبر تسوية سياسية شاملة.

*الهدنة في القانون الدولي*

يميز القانون الدولي والممارسة الدولية بوضوح بين الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار واتفاق السلام النهائي.

فالهدنة الإنسانية هي إجراء مؤقت يهدف إلى حماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وبناء الحد الأدنى من الثقة بين أطراف النزاع، دون أن تحسم القضايا العسكرية أو السياسية.

أما وقف إطلاق النار، فهو مرحلة أكثر تقدماً تنظم العلاقة العسكرية بين الأطراف، وتمهد لمناقشة الترتيبات الأمنية.

بينما يعالج اتفاق السلام النهائي القضايا السياسية والدستورية والأمنية بصورة شاملة، بما في ذلك ترتيبات الحكم، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، ونزع السلاح وإعادة الدمج.

*المبادئ المستقرة في تجارب الوساطة الدولية*

تكاد جميع تجارب الوساطة الدولية تستقر على مبادئ مشتركة، أهمها:

* تثبيت القوات في مواقعها عند بدء الهدنة.

* عدم استغلال الهدنة لتحقيق مكاسب عسكرية.

* فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول المساعدات.

* السماح بانسحابات محدودة وموضعية عند الضرورة لحماية المدنيين أو تسهيل العمل الإنساني.

* إنشاء آليات للمراقبة والتحقق من الالتزام.

أما القضايا الكبرى، مثل إعادة الانتشار الشامل، وفصل القوات، ونزع السلاح، وإعادة الدمج، فتُرحّل عادة إلى مفاوضات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، ولا تكون جزءاً من الهدنة الإنسانية.

*ماذا تقول السوابق الدولية*؟

تؤكد معظم التجارب الدولية هذا النهج المتدرج.

ففي كوريا عام 1953، ثُبتت القوات في مواقعها، وأُنشئت المنطقة منزوعة السلاح، بينما أُرجئت القضايا السياسية إلى مفاوضات لاحقة.

وفي البوسنة والهرسك سبقت اتفاقية دايتون عدة هدن إنسانية ووقفات مؤقتة لإطلاق النار، دون اشتراط انسحاب شامل لأي من القوات المتحاربة.

وفي نيبال بدأت عملية السلام بهدنة عام 2003، قبل أن تنتهي باتفاق السلام الشامل عام 2006.

وفي كولومبيا جاءت إجراءات بناء الثقة ووقف إطلاق النار قبل التوصل إلى اتفاق السلام النهائي عام 2016.

وفي جنوب السودان بدأ المسار باتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2014، بينما جاءت التسوية السياسية والترتيبات الأمنية في الاتفاق المنشط عام 2018.

أما في أيرلندا الشمالية، فقد أُرجئت ترتيبات نزع السلاح إلى ما بعد توقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، ولم تكن شرطاً مسبقاً للدخول في العملية السياسية.

وتكشف هذه السوابق جميعها عن قاعدة مستقرة في إدارة النزاعات المسلحة، وهي أن القضايا الإنسانية تُعالج أولاً، بينما تؤجل القضايا العسكرية والسياسية الأكثر تعقيداً إلى مراحل التفاوض اللاحقة.

*تطبيق ذلك على الحالة السودانية*

ينص البند السادس من المقترح الأمريكي على انسحابات محدودة ومؤقتة بغرض حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية.

وهذا النص يتسق مع إعلان جدة الموقع في 11 مايو 2023، كما ينسجم مع المبادئ التي استقرت عليها تجارب الوساطة الدولية، لأنه لا يعيد رسم خطوط السيطرة العسكرية، ولا يمنح أفضلية ميدانية لأي من الطرفين، وإنما يخدم هدفاً إنسانياً محدداً.

أما اشتراط الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق قبل بدء الهدنة، فإنه ينقل إحدى أكثر قضايا الصراع تعقيداً إلى مرحلة يفترض أن تكون مخصصة للإجراءات الإنسانية وبناء الثقة، وهو ما يخالف التدرج الذي اتبعته معظم تجارب إنهاء الحروب الأهلية.

*الخاتمة*

تؤكد الخبرة الدولية، كما تؤكد أحكام القانون الدولي الإنساني، أن إنهاء الحروب الأهلية لا يتم بقفزة واحدة، وإنما عبر مسار متدرج يبدأ بالهدنة الإنسانية، ثم وقف إطلاق النار، ثم التفاوض حول الترتيبات الأمنية، وصولاً إلى الاتفاق السياسي الشامل الذي يعالج جذور الصراع ويؤسس لسلام مستدام.

ومن هذا المنطلق، فإن تأييد حزب الأمة للمقترح الأمريكي لا يمثل انحيازاً لأي من أطراف الحرب، وإنما يعبر عن موقف سياسي ثابت ظل الحزب يدعو إليه منذ يونيو 2024، يقوم على قناعة راسخة بأن لا حل عسكرياً للصراع السوداني، وأن استمرار الحرب لن يفضي إلا إلى مزيد من الدمار والانقسام، وأن الطريق الوحيد لإنقاذ السودان يبدأ بوقف الحرب، وتخفيف معاناة المدنيين، ثم الانتقال إلى عملية سياسية شاملة تُعيد بناء الدولة على أسس وطنية وديمقراطية، وتحقق السلام العادل والمستدام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى