الأحداث: ماجدة حسن
طرح المخرج د. أبوبكر الشيخ علي رؤية حول دور الدراما في مواجهة آثار الحرب، مؤكداً أن الحرب لا تختزل في أصوات الرصاص وانفجارات القنابل، وإنما تمثل حالة إنسانية تعيد تشكيل حياة الإنسان وذاكرته وعلاقاته وأحلامه ومكانه.
وقال الشيخ علي إن مهمة الدراما تبدأ من طرح أسئلة الإنسان في قلب الحرب: ماذا يحدث للأم التي تنتظر ابنها؟ وللطفل الذي يغادر مدرسته ولا يعرف متى يعود؟ وللرجل الذي يحمل مفتاح منزله ولا يدري إن كان سيعود يوماً ليفتح به بابه؟ معتبراً أن هذه التفاصيل قد تكون أكثر تأثيراً من مشاهد المعارك ذاتها.
وأوضح أن دراما الحرب لا ينبغي أن تتعامل مع الصراع بوصفه مادة للمطاردات والانفجارات والموت فقط، بل باعتباره تجربة إنسانية متكاملة. فقد تكون حقيبة امرأة تستعد للنزوح، أو صمت طفل أمام منزل مدمر، أو كرسي فارغ في غرفة غائب، صوراً أكثر تعبيراً عن الحرب من مشاهد القتال المباشرة.
وأشار إلى أن المخرج في زمن الحرب يتحمل مسؤولية مضاعفة، لأن الكاميرا لا توثق الحدث فقط، بل يمكن أن تتحول إلى شاهد على ذاكرة مجتمع بأكمله، ما يفرض التعامل مع الألم بكرامة، وتجنب تحويل الضحايا والموت إلى مادة للفرجة أو استغلال المأساة درامياً.
وأكد الشيخ علي أن الإنسان يجب أن يظل محور الحكاية، لافتاً إلى أن الحرب بالنسبة للمدني قد تتمثل في أم تنتظر، وأب يبحث عن أبنائه، وطفل فقد منزله، وطالب توقفت دراسته، وطبيب يعمل في مستشفى منهك، وأسرة تنتقل من مدينة إلى أخرى بحثاً عن الأمان. وهي تفاصيل تمنح الحرب وجهها الإنساني بعيداً عن ساحات القتال.
ولفت إلى أن المكان يمكن أن يصبح شخصية أساسية في دراما الحرب؛ فالبيت ذاكرة، والمدرسة مستقبل، والمستشفى مساحة للنجاة، والشارع تاريخ من العلاقات والذكريات. ومن خلال بيت مهجور أو باب مكسور أو صورة عائلية معلقة على جدار، يستطيع المخرج أن يحكي الكثير دون حاجة إلى الحوار.
ويرى الشيخ علي أن الدراما مطالبة كذلك بتتبع ما بعد الحرب، من الصدمة إلى النجاة ثم التعافي، باعتبار أن آثار الحرب تمتد لسنوات بعد توقف المعارك. وتشمل هذه المرحلة قصص العودة وإعادة بناء البيوت، واستئناف الدراسة والعمل، والبحث عن المفقودين، ومحاولة الإنسان التعايش مع ذاكرته.
وشدد على ضرورة ألا تتحول الدراما إلى دعاية أو خطاب مباشر، مؤكداً أن القصة الإنسانية الصادقة قادرة على دفع المشاهد إلى التفكير دون أن تملي عليه ما يجب أن يشعر أو يعتقد.
وختم الشيخ علي رؤيته بالتأكيد على قدرة الدراما على مقاومة النسيان، وتحويل الأرقام والأحداث إلى حكايات إنسانية، ومنح الضحية اسماً، والناجي وجهاً، والغائب ذاكرة، والمكان حكاية؛ لتصبح الدراما، في مواجهة الحرب، وسيلة لفهم الخراب وحفظ الذاكرة واستعادة إنسانية من عاشوا التجربة.