رأي

المبدع مطلوبًا للعشاء.. لا للفكرة

ماجده حسن

عزف منفرد
في بعض المناسبات، لا يحتاج الأمر إلى كثير من التأمل حتى تكتشف أن ثمة شيئًا ما ليس في مكانه الصحيح. يكفي أن تراقب قائمة المدعوين، وتعرف لماذا دُعي كل شخص، وماذا يُنتظر منه، لتدرك الفارق بين أن تكون حاضرًا بوصفك مبدعًا، وأن تكون حاضرًا بوصفك جزءًا من المشهد.
قبل يومين، أقامت سفارة السودان بالقاهرة عشاءً في إطار العلاقات العامة، (وداع السفير) حضره عدد من المبدعين السودانيين. وبين الحضور لاحظت وجود مبدع ينتمي إلى واحدة من أكثر دوائر السينما والدراما والإبداع والتصوير والإخراج التصاقًا بالمشهد الثقافي. كان قد غاب عن لقاء متخصص جمع وزير الثقافة والإعلام والسياحة بأهل المهنة في القاهرة ، ثم وجدت دعوة العشاء طريقها إليه. حضر، جلس، تناول عشاءه ، تابع ما يدور، ثم غادر.
فالمبدع الذي كان ينبغي أن يكون حاضرًا عندما يتعلق الأمر بمهنته، وخبرته، ورؤيته، وجد نفسه حاضرًا عندما أصبحت الدعوة ذات طبيعة اجتماعية وعلاقات عامة. والأكثر إثارة أن السفارة سارعت الاسبوع الماضي إلى نشر خبر اللقاء مع أهل السينما والدراما، وهو خبر أثار دهشة واسعة داخل الوسط المهني، لأن الأسماء التي ظهرت في ذلك اللقاء لم تعكس، في نظر كثير من أهل الاختصاص، الوزن الحقيقي للمشهد السينمائي والدرامي السوداني. والمفارقة أن من يعرفهم الوسط المهني من بين من اجتمع بهم الوزير كان محدودًا للغاية، بما يجعل الصورة المنشورة أكبر من التمثيل الحقيقي الذي حدث.وهذه قطعا ليست مشكلة بروتوكول، بل مشكلة مفهوم.
لان الثقافة لا تُدار بالصور الجماعية، ولا تُبنى علاقتها بالدولة عبر الموائد واللقاءات العابرة. فالمبدع ليس قطعة ديكور في مناسبة رسمية، وليس وجهًا مطلوبًا حين تحتاج المناسبة إلى الحضور الاجتماعي. قيمته الحقيقية تظهر عندما تُطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمهنة، وحين تُرسم السياسات، وحين يُبحث مستقبل السينما والمسرح والفنون.
والسينما السودانية تحديدًا لا تحتاج إلى مجاملات بقدر حاجتها إلى معرفة حقيقية بواقعها. أكثر من ثلاثة عقود من الإغلاق والتعطيل تركت صناعة كاملة في حاجة إلى إعادة بناء؛ إنتاج الفيلم يحتاج رأس مال، والعرض يحتاج بنية تحتية، وعودة السينما إلى السودان تحتاج قبل كل شيء إلى عودة الفنان والجمهور، وإلى بيئة تسمح لهما بالعمل والحياة.
ولأن معظم السينما السودانية نشأت أصلًا خارج الجهاز الحكومي، فإن دور الدولة الحقيقي ليس أن تصنع السينما بدلًا عن أهلها، وإنما أن تهيئ الأرض التي يستطيع هؤلاء أن يعملوا فوقها.
لهذا، فإن زيارة وزير الثقافة إلى القاهرة كان يمكن أن تكون فرصة حقيقية للاستماع إلى أصحاب التجربة، لا مجرد مناسبة علاقات عامة. وكان يمكن للقاء المتخصص أن يفتح حديثًا جادًا عن المستقبل، عن التشريعات، والبنية التحتية، والإنتاج، والتدريب، وعن كيفية استعادة جمهور فقد صالاته وذاكرته السينمائية.
المشكلة إذن ليست في عشاء حضره مبدعون، المشكلة أن يصبح العشاء هو المساحة التي يُستدعى إليها المبدع، بينما تُغلق أمامه المساحة التي يُحتاج فيها إلى رأيه.
هناك فرق كبير بين أن يكون المبدع على قائمة المدعوين، وأن يكون على طاولة صناعة القرار.والثقافة السودانية، في هذه المرحلة تحديدًا، لا تحتمل أن يُستدعى مبدعوها للواجهة، ثم يُترك أهل المهنة خارج الصورة عندما يحين وقت التفكير في مستقبلها. فالمبدع لا يحتاج مقعدًا في الصورة بقدر ما يحتاج مقعدًا إلى الطاولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى