رأي

الكفاءة المهدرة وثمن الولاءات الضيقة…

إبراهيم إسماعيل
في الوقت الذي يستعد فيه السودان لمرحلة إعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة، يظل سؤال الكفاءة حاضرًا بقوة: حتي لا تغيب الخبرات الوطنية عن مواقع التأثير، و تتقدم اعتبارات الولاء السياسي والانتماء القبلي على حساب التأهيل والخبرة؟
ومن النماذج التي تستحق التوقف عندها المهندس المستشار جعفر محمد آدم علي عز الدين، الذي عمل لعشر سنوات بالهيئة العامة للطيران المدني وأسهم في مشروع مطار الشهيد صبيرة بمدينة الجنينة، كما تقلد مسؤوليات هندسية في عدد من المطارات السودانية. وامتدت خبراته إلى مجالات المياه والتنمية والبترول والبنية التحتية، حيث أشرف على تنفيذ سدود لحصاد المياه ومحطات للمياه ومشروعات للإصحاح البيئي بولاية غرب دارفور، إضافة إلى مساهماته في قطاع النفط وتشييد الطرق والمنشآت المرتبطة بالإنتاج النفطي.
كما واصل مسيرته المهنية بالإشراف على تنفيذ مهبط للطائرات (الهلكوبتر) لصالح اليوناميد،بدارفور

وتأهيل عدد من فروع بنك الخرطوم، والعمل مع المنظمات الإنسانية والتنموية في إنشاء القرى النموذجية ومشروعات التعليم والأسرة والطفل والشباب، ثم الإسهام في إعادة تأهيل فروع بنك الخرطوم التي تضررت بسبب
التمرد
ومن الجوانب الجديرة بالذكر في شخصية المهندس جعفر أنه لا يعرف القبلية أو الجهوية معيارًا للتعامل أو التقييم، وإنما يؤمن بالكفاءة والعمل والإنجاز. وهو معروف لدى المؤسسات والأجهزة المختصة بوصفه كفاءة علمية ووطنية راكمت أكثر من ثلاثين عامًا من الخبرة العملية، مدعومة بتأهيل أكاديمي رفيع وخبرة واسعة في إدارة المشروعات والمؤسسات الخاصة الناجحة. وتمثل تجربته نموذجًا للكفاءات الوطنية التي ينبغي أن تجد مكانها الطبيعي في مرحلة إعادة البناء والتنمية.ودورنا في الصحافة أن نعمل علي ابراز
الكفاءات!
إن هذه السيرة المهنية تؤكد أن السودان لا يعاني من نقص الكفاءات، وإنما من ضعف الاستفادة منها. فمحاربة الكفاءات الوطنية وتقديم الولاءات السياسية والقبلية عليها كان أحد أسباب ضعف مؤسسات الدولة وتراجع أدائها. كما أن سياسات المحاصصة والترضيـات أسهمت في إبعاد كثير من أصحاب الخبرة والمعرفة عن مواقع اتخاذ القرار.
ولعل من أهم الدروس التي ينبغي التوقف عندها أن غياب مشاركة العلماء والخبراء وأصحاب الكفاءات الوطنية من أبناء دارفور في إدارة ولايات الإقليم لأكثر من ثلاثة عقود أسهم في إضعاف مؤسسات الحكم ،
في (دارفور)
وعندما نقرأ مقدمة ابن خلدون نجد إشارات واضحة إلى أن الدول تضعف عندما تغلب العصبية على الكفاءة، وعندما يصبح الولاء بديلاً عن الخبرة. ومن هذا المنظور، فإن الحرب الوجودية التي اندلعت في 15 أبريل 2023م لا يمكن فصلها عن تراكمات طويلة من سوء الإدارة وإهدار الطاقات الوطنية وتغييب أصحاب المعرفة والخبرة
والوطنية
عن مواقع القرار.
واستبدالهم باللذين
لايعرفون قيمة
(الوطن)

ولعل من الشواهد المهمة في التاريخ السوداني الحديث تجربة مدينة الأبيض، التي ظلت لسنوات طويلة نموذجًا للتناغم الاجتماعي والوحدة الوطنية
والاستقرار
كان معيار التقدم إلى مواقع المسؤولية يقوم بدرجة كبيرة على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، لا على الانتماء القبلي أو الجهوي. فقد أدرك أهلها أن قوة المجتمع والدولة لا تتحقق بسيطرة مجموعة بعينها، وإنما بإتاحة الفرصة للأكثر قدرة على العطاء بغض النظر عن أصوله وانتمائه. ومن هنا يمكن القول إن أحد أسرار تماسك الأبيض كان تغليب الكفاءة الوطنية على العصبية الضيقة،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى