رأي

الكاش الذي يحكم العالم في زفرة مصدور حرى!

الدكتور الخضر هارون

حكي فقال :
قال لي صاحبي ليعلم ما بي أراك منزوياً عازفاً عن الخوض في وحل السياسة بالقلم رغم أن أسواق السياسة عامرة هذه الأيام فأصوات التناوش على الصفقات في عرصاتها غدت مدوية تعلو على كل الأصوات لا تكاد تخبو في الليل ولا في النهار، واللغط يشق عنان السماء جلبة وصياحاً ، وهذه أجواء اهتبلها أقزام لم تكن تراهم العين من قبل لدقة أجسامهم وخفة أوزانهم، وعمالقة أيضاً أحنوا الرؤوس للعاصفة الهوجاء ورضوا بالدنية حتى يكونوا جزءا من الفرجة والديكور والزفة بما يصح من قول ويذم ، وبعض الناس درجت من قديم الأزمان أن تقتات من سواقط ذلك، فماذا دهاك أنت وأنت ابن بجدتها وفارس حلبتها المالك معرفة ناصيتها؟!

قلت ألا يكفي أنك قد وصفتها بأنها أوحال؟ أو ليس ذلك أقبح النعوت والأوصاف ؟
والشيوخ الذين قد بلغوا من الكبر عتياً ومن الضعف مداه مثلي إن لم تسعفهم قواهم الكليلة على الخوض في الأوحال ، منعهم الأسى والقنوط من جدوى إصلاح ما أفسد الدهر مما آلت إليه السياسة من الفساد وسؤ المآل حتى أصبحت لها أسواق كأسواق السلع التي تكثر في مواسم الحصاد كالبصل والمانقو والتمور تستجلب الأموال من الجيوب ، جيوب القادرين المنتفخة والتي تقوى علي الدفع بسخاء، وأنا يا صاحبي لست منهم. فالسياسة باتت سلعة تدار بالمال، نعم بالكاش وربما بمكعبات الذهب الخالص، قالها من الفرنجة المنصفين جون مشماير رأس علماء العلاقات الدولية ووصفها بأنها السبيل الأوحد للوصول لمجالس التشريع ومواقع السلطة العلية في بلده التي تدير العالم بأسره، وقالها الرئيس الأسبق جيمي كارتر بأنها لكذلك وزاد بأن البقاء في مواقع السلطة يستدعي الحيطة والحذر من زلات اللسان التي تتجاوز مقدار ما دفعه صاحب الكاش فيصبح وقتها ألا سبيل إلي العودة إليها مجدداً . تلك ليست مجرد اتهامات بل حقيقة سارت بها الركبان وهي مبذولة علي صفحات الهواتف والحواسيب بالصورة والصوت. ولا تعجب من مصادر الكاش فذلك لا يهم ، المهم أن يأتي فإن جاء من جزيرة صغيرة مقذوفة في متاهات المحيط الباسفيكي أو من (دولة) لا تكاد ترى بالعين المجردة متضخمة بذات الكاش حتي ترى. و أنت يا صاحبي بعينيك هاتين ترى الناس ، كل الناس قد ذهبوا إلي من يملك الذهب غير عابئين بسوي ذلك .

ألا ترى الكبار على امتداد المعمورة في عالمنا هذا قد أذهب الذهب إنسانيتهم فلم يعودوا يرون الاعتداءات الآثمة علي العزل من النساء والأطفال ولا يسمعون صرخات الأطفال ينظرون لأمهاتهم تقتل أمام أعينهم البريئة وفي خضم الضحكات الهستيرية الفجة من أفواه التتار والمغول ولا لصيحات الثاكلات تستغيث تحت وطأة الاغتصاب المصحوب بسيل من قبيح القول وبذاءة الكلم والشتائم ولا لأنات الشيوخ والشيخات تحت وابل السياط وأعينهم الكليلة ترنو للبيوت والمدارس والمتاحف والمستشفيات تحترق والمرضي من ذويهم وجيرانهم تنزع أنابيب الأكسجين والتغذية من أنوفهم وأفواههم لا يقدرون حتي علي الأنين . ذلك حدث في بلادنا وفي كل بلاد الفقراء المستضعفين رأي العالم كله العمارات الشاهقة تنسف علي رؤوس المدنيين العزل ليموتوا تحت الأنقاض لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً والأدهى والأمر من ذلك أن نصبت لهذا الإجرام منابر ومنصات وصحائف ورقية وإلكترونية للتغطية عليه بأعاليل تقوم علي أباطيل بان الفجار يرومون ضرباً من الحوكمة أرشد ! لكن مع ذلك كله ومن فرط بشاعته قد استعصى على التزييف ووقف عاريا كما خلقه الله يراه البصير بالعين المجردة والأعشى والأكمه بعين البصيرة . ويبدو لي أن الأوغاد الطغاة في البرية لم يعد يضيرهم ذلك كله في شيء ولا يردعهم فهذا عالم قد فقد حتى حاسة الحرص على بقاء النوع التي تتمتع بها الحيوانات والطيور والحشرات. أولئك تبلد فيهم حس الإنسانية فما جدوى الكتابة في عالم بدأ يستعيد أميته القديمة فلم يعد يقرأ. وإن قرأ لايفهم .لقد تلاشي كل ما حسبناه من قيم التمدن التي سادت بفعل التجارب وبالوحي المنزل من عنان السماء. نعم لقد جعل هذا التواطؤ على الظلم القبيح من المؤسسات الدولية والمنظمات الاقليمية ومراكز البحوث والجامعات ذات الصيت والصحف ذات الادعاء والضجيج جميعاً مجرد هياكل فارغة المحتوى أو فزاعات لإخافة الصغار الضعفاء من طلب النصفة ورد الضرر فلا جدوى من ذلك في حضرة معالي المبجل الكاش الذي يجتاح كل عقبة أمامه . بدت الأسماء الكبيرة التي كانت معاقل يحتمي بها الضعفاء، القانون الدولي، الأسرة الدولية ، الأمم المتحدة مجرد لافتات تبعث علي الأسي والشفقة.

يا صاحبي هذا الشيخ الهرم الذي تراه لم يعد يعيش في هذا العالم الذي كفر بنعم الله جميعا ولم يبق له سوى بقية حسرات تستمطر الدم والدمع الهتون من عينيه والسعال العنيف كل ما جن الليل وبعض ما قال الجواهري: حسبي من الموحشات الهم والهرم. فلا أقوى علي إضافة المزيد عليها.

قال صاحبي في حسرة من خاب ظنه فيّ ألم تكن تردد علي الدوام تقول إن الخير موجود في الدنيا لكنه قليل بقي بمجاهدات قلة دفعت في سبيله المهج والأرواح ومن بقي منهم لم يسلم من الذم و هضم الحقوق و الطعن في الأعراض ، أفلا تكون منهم؟ قلت ولا زلت أقول ولكن تلكم حظوة تسعى إليك لا تبلغها أنت بالسعي إليها . اشتهر من الكرماء علي مدار التاريخ و من الشجعان والأوفياء أفراد أقل من أصابع الكف الواحدة في اليد : حاتم طي في الكرماء ومن الشجعان عنترة العبسي ومن المؤتمنين السموأل بن عادية وأغفل التاريخ سواهم فالمجد المؤثل تصنعه النوايا مع الفعل لا بالصنيع وحده ومن الأنام من هو أقدر مني علي ذلك أما أنا فلم أعد أقوي علي شئ فدعني أنام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى