عزف منفرد
لم يكن تصريح وزير الثقافة والإعلام والسياحة، الأستاذ خالد الإعيسر، بشأن عدم جدوى القنوات الولائية، مجرد ملاحظة عابرة في زحام التصريحات، بل بدا أقرب إلى تسديدة مباشرة في مرمى تجربة إعلامية عمرها سنوات، حين تحدث عن هدر المال العام، وربط الإنفاق بحجم الأثر الذي تقدمه هذه القنوات.
لكن، هل المشكلة فعلاً في وجود القنوات الولائية، أم في الطريقة التي أُديرت بها منذ ميلادها؟
ليس من الحكمة أن نبدأ من سؤال الجدوى، لأن القنوات الولائية ليست ترفاً إعلامياً زائداً عن الحاجة، ولا نسخاً مصغرة من المركز. هي جزء من بنية الحكم الولائي، ونافذة على تنوع السودان الثقافي والاجتماعي، ومساحة يفترض أن ترى فيها الولاية نفسها ، لا أن يرى نسخة أخرى من المركز.
المشكلة أن معظم هذه القنوات لم تستطع، طوال سنواتها، أن تخرج من ظل القناة الأم. تبدلت الأسماء والشعارات، وربما تبدلت الديكورات، لكن الروح بقيت واحدة. لم تصنع «المشلعيب» ولا «العنقريب» فارقاً حقيقياً، وظلت أخبار المسؤولين وافتتاحاتهم وجولاتهم ونشاطاتهم المحدودة تلتهم جزءاً كبيراً من زمن الشاشة، وكأن وظيفة القناة أن تراقب حركة المسؤول، لا حركة المجتمع.
وهنا تحديداً يصبح من الصعب توجيه أصابع الاتهام إلى الولائية وحدها. فالقناة القومية نفسها لم تقدم، في كثير من مراحلها، نموذجاً مختلفاً في إشباع حاجات الجمهور إلى المعرفة والتعلم والترفيه. والاستثناء الذي يستحق الذكر هو تجربة النيل الأزرق، التي استطاعت عبر سنوات من الاجتهاد أن تبني شخصية تلفزيونية وجمهوراً خاصاً بها.
أما بقية المشهد، فيبدو كأنه شاشة طويلة تبحث عن جمهور. الرياضة، وهي أكثر مجالات الترفيه جماهيرية، لم تجد في قنواتنا ما يكفي من الاستثمار البرامجي. وبرامج الأطفال تكاد تكون غائبة، فيما تمدد الغناء حتى صار في أحيان كثيرة حلاً جاهزاً لملء ساعات البث.
أما مبلغ الـ13 مليون دولار الذي أشار إليه الوزير كرسوم للأقمار الصناعية، فهو رقم يستحق الوقوف عنده، لا باعتباره مبرراً جاهزاً لإعدام التجربة، وإنما بوصفه جرس إنذار يستدعي الحساب والمراجعة والمساءلة.
لقد وُضعت الكرة الآن في ملعب إدارات الولايات والقنوات الولائية. وعليها أن تجيب بوضوح: ماذا قدمت مقابل هذا الإنفاق؟ لكن الكرة لا ينبغي أن تتوقف هناك؛ فالمركز شريك في صناعة هذا الواقع، والمسؤولية لا تُجزّأ بين شاشة ولائية وسياسة إعلامية مركزية.
القضية، في جوهرها، ليست أن نبقي القنوات أو نغلقها. القضية أن نتوقف عن إنتاج شاشات بلا شخصية، وإنفاق بلا أثر، وبث بلا جمهور. فإذا كانت القنوات الولائية قد فشلت، فالمطلوب أن نعرف لماذا فشلت، ومن الذي صنع شروط فشلها، قبل أن نكتب شهادة وفاتها.