الحلقة الثالثة
آبي أحمد وسد النهضة….. حين عاد النهر والبحر إلى قلب الصراع
عبدالعزيز يعقوب – فلادلفيا
ayagoub@gmail.com
٣١ مايو 2026
بعد سقوط نظامي جعفر نميري ومنغستو هيلا مريام، بدا وكأن إثيوبيا تحاول الخروج من ظلال الدولة الأمنية الثقيلة نحو مرحلةٍ أكثر توازناً واستقراراً. فقد أعادت النخب الجديدة بناء المؤسسات العسكرية والسياسية والاستخباراتية، وسعت إلى تثبيت أركان الدولة بعد عقودٍ طويلة من الحروب والانهيارات والصراعات الداخلية التي أنهكت البلدين وأبقت حدودهما مفتوحةً على القلق والتوتر.
وفي الوقت ذاته، شهدت العلاقات بين السودان وإثيوبيا فتراتٍ من التهدئة النسبية بعد عقودٍ من دعم الحركات المسلحة المتبادلة. فقد أدرك الطرفان، ولو مؤقتاً، أن الحروب الحدودية تستنزف الجميع من دون أن تمنح أحداً نصراً مستقراً أو سلاماً دائماً.
غير أن التهدئة في القرن الإفريقي كثيراً ما تكون مجرد هدنةٍ قصيرة بين موجتين من التوتر.
ومع صعود آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، بدا أن إثيوبيا تدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة لدورها الداخلي والإقليمي. ظهر الرجل بوصفه قائداً شاباً يسعى إلى تجاوز الانقسامات القومية، وإعادة بناء مركز الدولة، وتحويل إثيوبيا إلى قوة إفريقية صاعدة تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً متنامياً.
لكن الدولة الإثيوبية لم تكن كياناً بسيطاً يمكن إعادة ترتيبه بخطابات الإصلاح وحدها. فداخل هذا البناء الضخم كانت تعيش تناقضات قومية وتاريخية عميقة، وكل محاولة لإعادة تشكيل المركز كانت توقظ، بصورةٍ تلقائية، دوافع الخوف والعنف الكامنة في الأطراف والهويات المتصارعة.
ولهذا لم يمر وقتٌ طويل حتى انفجرت حرب تيغراي، لتكشف أن إثيوبيا ما تزال تحمل داخلها السؤال القديم ذاته:
هل هي دولة قومية موحدة؟ أم إمبراطورية متعددة القوميات لم تُنهِ بعد صراعها الطويل مع التاريخ؟
وفي خضم هذه التوترات، برز «سد النهضة الإثيوبي الكبير» بوصفه المشروع الأكثر طموحاً في تاريخ إثيوبيا الحديث. ولم يكن السد بالنسبة إلى أديس أبابا مجرد مشروعٍ للكهرباء أو التنمية، بل رمزاً لإعادة تعريف القوة داخل حوض النيل بأكمله.
فمنذ ستينيات القرن الماضي، وُجدت دراسات أمريكية واسعة حول إمكانات بناء سدود كبرى على النيل الأزرق، غير أن إثيوبيا آنذاك لم تكن تمتلك القدرة السياسية والاقتصادية التي تسمح بتنفيذ مشاريع بهذا الحجم. ومع صعود الاقتصاد الإثيوبي خلال العقدين الأخيرين، عادت فكرة استثمار مياه النيل الأزرق إلى قلب الإستراتيجية الإثيوبية من جديد.
وفي مراحل سابقة، دار داخل بعض دوائر النخب الإثيوبية حديثٌ عن تحويل مجرى النهر بالكامل، غير أن تلك التصورات تراجعت بفعل التعقيدات التقنية والكلفة المالية الهائلة. وأصبح الخيار الأكثر واقعية هو بناء منظومةٍ من السدود والخزانات تمنح إثيوبيا قدرةً متزايدة على التحكم في توقيت التدفقات المائية وحجمها وإيقاعها الموسمي.
وهكذا عاد النيل الأزرق ليتحوّل من نهرٍ طبيعي إلى معادلة نفوذ وسيادة.
ففي هذه المنطقة، لم تكن المياه يوماً قضيةً فنية خالصة، بل ظلت دائماً جزءاً من توازنات القوة والبقاء. ولهذا نظرت مصر والسودان إلى مشروع السد باعتباره تحولاً إستراتيجياً كبيراً في ميزان الجغرافيا السياسية لحوض النيل.
فالدولة التي تتحكم في المنابع لا تقترب فقط من امتلاك الماء، بل تقترب أيضاً من التأثير في إيقاع الحياة نفسه داخل الوادي الطويل الممتد نحو الشمال.
وفي الوقت ذاته، عاد البحر الأحمر إلى قلب التفكير الإثيوبي. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا، لم تتصالح تماماً مع فكرة البقاء دولةً حبيسة، بل ظلت تنظر إلى الموانئ باعتبارها جزءاً من أمنها القومي ومكانتها الإقليمية.
وهكذا التقت داخل العقل السياسي الإثيوبي عقدتان تاريخيتان هما
عقدة البحر… وعقدة النهر.
ثم جاءت الحرب السودانية الأخيرة لتعيد فتح الشقوق القديمة دفعةً واحدة.
فالسودان، الذي كان يعاني أصلاً من اضطرابات داخلية عميقة، تحوّل إلى ساحةٍ تتداخل فيها حسابات الإقليم، ومصالح القوى الخارجية، والمنافسة على الموانئ والممرات الإستراتيجية.
وفي هذا السياق، تتهم الحكومة السودانية إثيوبيا بالتورط في دعم قوات الدعم السريع بالتنسيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا، لكنها تعكس حجم التآكل الذي أصاب الثقة بين البلدين، ومدى هشاشة التوازنات التي حكمت العلاقة بينهما خلال العقود الأخيرة.
وفي المقابل، تبدو إثيوبيا نفسها واقفة فوق أرضٍ شديدة الحساسية؛ فإلى جانب التوترات القومية الداخلية، تقف إريتريا مترقبة، بينما يتحفز الصومال، ويتصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر وممراته الحيوية.
وربما هنا يطل السؤال الذي ظل يطارد التاريخ الإثيوبي طويلاً، ما مصير القادة الذين يحاولون إعادة تشكيل هذه الدولة المعقدة عبر التعبئة الكبرى والصراع المفتوح؟
لقد انتهى الإمبراطور يوهانس الرابع قتيلاً في ساحة المعركة وهو يدافع عن تصوره للإمبراطورية، بينما انتهى هيلا سلاسي مقتولاً في عزلة القصر، ولم يُكشف عن موضع دفنه إلا بعد سقوط نظام منغستو. أما منغستو هيلا مريام نفسه فقد انتهى منفياً ولاجئاً سياسياً في زيمبابوي بعد أن حكم البلاد بالحديد والنار.
وفي الحالات الثلاث، بدا وكأن الجغرافيا الإثيوبية تعيد إنتاج قانونها القاسي؛ فالقادة الذين يسعون إلى توحيد الدولة عبر الحروب الكبرى، والضغط على دول الجوار ــ وخصوصاً السودان ــ يكتشفون غالباً، ولكن بعد فوات الأوان، أن النار التي تُشعل لتوسيع النفوذ وإعادة رسم موازين القوة لا تبقى عند الحدود التي خُطط لها، بل تمتد تدريجياً نحو الداخل، حتى تبلغ في النهاية قلب الدولة نفسها، حيث تتحول أدوات التعبئة والصراع إلى شقوقٍ تهزّ البنية التي أراد أصحابها تثبيتها بالقوة.
ويبدو آبي أحمد اليوم كمن يحاول الهروب من المصيرين معاً؛ فلا يريد أن يظهر كحاكمٍ يتراجع تحت ضغط خصومه، ولا كرجلٍ تنتهي تجربته بانهيار الدولة التي وعد بإعادة بنائها.
غير أن مأساة القرن الإفريقي أن الصراعات فيه نادراً ما تبقى تحت السيطرة الكاملة لأحد. فهذه المنطقة لا تتحرك فقط بإرادة الحكومات، بل أيضاً بثقل التاريخ، وتناقضات القوميات، وصراع الموانئ، ومخاوف المياه، وتنافس القوى الدولية.
ولهذا، فإن أي انفجار واسع بين السودان وإثيوبيا لن يبقى محصوراً داخل الحدود التقليدية، بل قد يمتد أثره إلى البحر الأحمر، وحوض النيل، والقرن الإفريقي بأسره.
فهنا لا تتحرك الحروب في خطٍ مستقيم، بل تتسع مثل دوائر النار في الحقول الجافة؛ تبدأ بشرارةٍ صغيرة، ثم لا يملك أحدٌ بعد ذلك أن يضمن اتجاه الريح.
وربما كانت هذه هي الحقيقة الأعمق في معادلة أمن القرن الإفريقي، أن الجغرافيا فيه ليست مجرد مسرحٍ للأحداث، بل قوةٌ فاعلة تعيد تشكيل السياسة، وتبتلع أحياناً المشاريع التي تحاول إخضاعها. فالدول هنا لا تتصارع فقط على الحدود، بل على الماء، والموانئ، والهوية، وحق البقاء نفسه في منطقةٍ لم تعرف الاستقرار الكامل منذ أن التقت فيها طرق الإمبراطوريات القديمة بممرات التجارة والحروب الحديثة.
نواصل..