رأي

العـــوراء

راشد عبدالرحيم

أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعروف و المشهور و الذي أجاد و امتاز عن جمهرة الكتاب في اللغة و البيان و الوصف و له في هذه المجالات كتب سبقت و اشتهرت منها (البيان و التبيين) و (الحيوان)،
من مؤلفاته التي إنفرد بها في ضرب من الكتابة كتابـُه (البرصان والعرجان والعميان والحولان) يُعرِّف فيه الأعور بأنه من (انطفأت إحدى عينيه و ذهب بصرها)، أي عينه قد تكون سليمة و لكنها لا ترى.

و كأنما الجاحظ أراد أن يصف لنا حكومتنا السنية هذه إذ إكتمل أعضاؤها و إلتأم شملها و لكنها حكومة تري الخير فتتخطاه و تنظر إلى الهوان فتقع فيه!

يوم الجمعة الذي مضى ألقت قوات التمرد القبض على المعلم بشارة سليمان في منطقة الطويشة التي تسيطر عليها بشمال دارفور و تهمته التي أوقعته المهالك و رمت به في يد من لا يعرف الرحمة هي أنه أشرف على إستلام و توزيع مرتبات معلمي المحلية.

نعم هذا هو السبب و العلة عندها، ذلك أن هذه المرتبات أرسلتها لهم الحكومة و هم يعملون مع حكومة (تأسيس) فكيف يقبل مرتباً من دولة 56 ؟ .. المتمردون صدقوا مع أنفسهم و استولوا على ما أرسلته لهم الجهة التي يحاربونها و لكن ما بال حكومتنا ترسل المال لعدوها ؟
إنها مثالية بلا معنى و في غير محلها و سعي لنيل الرضا من الآخرين.
نعم حق لها أن تبدد المال كيف شاءت ذلك أنها حكومة (عوراء). ثم أن حكومتنا سمعت أنين مواطنيها من مر الظلام الدامس و الحر القاتل الذين يعيشانهما هذه الأيام و اعتذرت لهم في خطاب مطول بثته وزارة الطاقة و لكن ما اعتادته حكومتنا جعلها عوراء شديدة العوار، فقد طفقت تحدثهم فيما حدثتهم به مشاريع التوليد الحراري و لم تر هجرة مواطنيها إلى الطاقة الشمسية التي يتفيأون ظلالها رغم سعرها و يفضلونها على كهرباء الحكومة و مشاكلها.

لم تستطع الحكومة تجاوز عورها لتنشط و تساعد مواطنيها ليرتاحوا منها و ترتاح منهم و كان أقل ما يمكن أن تفعله أن ترفع رسومها و جباياتها عن كل ما تركب منه هذه الطاقة البديلة.

لم تستطع الحكومة أن تدعم هذا العمل سواء بسلفيات من البنوك أو بمساعدة شركات توفر المطلوب بأسعار أقل أو أن تنشئ شركات لتقوم به.

لا نطمع في القول أن تنشئ حكومتنا مدنا تعمل بالطاقة الشمسية بل و لا قرى، ذلك أنا لم ننس أنها حكومة في زمرة من وصفهم الجاحظ بالعور
إنها حكومة (عوراء) !

ليست حكومتنا فقط التي أصيبت بهذا بل رئيسها الذي رأي جامعتين في أقصي الأرض في أوروبا و ذهب يحاضر فيهما في يوم واحد و يفاخر بفعله الذي لم يسبقه عليه أحد.
سبق لم نر فيه رجالاً يقومون على شأن ضيف في مقامه بل شاهدنا يفعاً يحومون حوله في حبوره المشين الذي جعله يتطفل إحسان النظرة و الإشادة بما فعل و ما لم يفعل متناسياً أنه يفعل هذا حيث يطلب الصدق و التجرد، ذلك أنه مقام علم و ليس تصارع علي مواقع.

ذهب يحاضر في جامعات أوروبا متطوعاً فيما لا ينفعهم و يضرنا، و ترك طلابه مشردين بين البلدان و هم أحق بالنظر الذي أصابه الحوص.

حكومتنا أنفقت مال العلم على العدو و قصرت يدها به عن معلميها و كأنما هي تسعى في الظلام ليعم بنقص الكهرباء و تبديد أموال المعلمين و غفلة المسؤولين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى