رأي

العبور من الغنيمة إلى القيمة… السودان الجديد يولد من رحم المعمل والحقل

د. الهيثم الكندي يوسف

لم تكن الحرب الراهنة بكل ما حملته من دمار ونزيف مجرد حدث عارض في مسار الدولة السودانية، لقد كانت اللحظة التاريخية التي انهار فيها الهيكل المصنوع الذي ورثناه عن الاستعمار. فقد تهاوت دولة الغنيمة التي أدارتها النخب لسبعة عقود بعقلية توزيع العطايا وشراء الولاءات وتسييس الخدمة المدنية، تاركة الأطراف في عزلة إنتاجية والمركز في حالة هيمنة واهية.

إن انشغال العقل السياسي السوداني تاريخياً بسؤال (من يحكم) بدلاً من (كيف ولماذا نشأت هذه الدولة)، هو الذي قادنا إلى هذا النفق المظلم. واليوم ونحن في ختام سلسلتنا الفكرية (الجراحة البنيوية للأزمة السودانية)، نؤكد أن التباين الإثني والجغرافي لم يكن يوماً نقمة، إذ إن العجز الهيكلي عن إدارة هذا التنوع وتحويله إلى قيمة مضافة هو الذي حول الأرض من فرصة للنماء إلى ساحة للاقتتال.

إن الانتقال من (دولة الغنيمة) إلى (دولة القيمة والإنتاج) لم يعد خياراً لكنه صار ضرورة، كما إن الجراحة البنيوية التي نتبناها هي فرصتنا الأخيرة لحفظ كيان الوطن من الانقسام والتفتت.

الروشتة البنيوية… التوصيات الإستراتيجية لهندسة التحول:

حتي لا نكرر أخطاء الماضي بتبني شعارات فضفاضة أو تسويات سياسية هشة، نلخص في هذه الخاتمة معالم الهندسة المؤسسية المطلوبة للعبور، عبر خمس ركائز إستراتيجية:

1.الفيدرالية الاقتصادية التشابكية (بديل المحاصصة):

إن وحدة السودان لن تحميها الوثائق الدستورية المكتوبة في الغرف المغلقة، لكن تحميها المصلحة المادية المتبادلة التي تجعل من الانفصال خيارا مرفوضاً لكل إقليم. اما الآليات التي اتخذناها لجعل هذه الفدرالية تطبيقا واقعيا فهي:

مفوضية حوكمة الثروة السيادية:

عبر تأسيس هيئة مستقلة فنياً تتولى إدارة الموارد السيادية (ذهب، موانئ، أراضي زراعية)، بحيث يتم استقطاع 25% للمركز لإدارة السيادة (الدفاع، الخارجية، البنك المركزي)، وتوطين 70% في الإقليم المنتج، وتخصيص 5% لصندوق التعويضات والتوازن التنموي لمنع الفوارق بين الأقاليم.

الصناديق الاستثمارية الإقليمية:

عبر تحويل الموارد إلى شركات مساهمة عامة يمتلك فيها مواطنو الأقاليم 40% من الأسهم، ليتحول المواطن من مطالِب بالتنمية إلى شريك يترقب أرباحه من عوائد أسهمه.

مصفوفة سلاسل القيمة:

عبر ربط جغرافيا السودان ببعضها، وضربنا المثال التالي كنموذج للفكرة (الرعاية والإنتاج الحيواني في الغرب > التصنيع والمسالخ الحديثة في الوسط > النقل واللوجستيات في الشرق > الخدمات المالية والتسويق الدولي في المركز).

2.رسملة الأراضي والحواكير:

تحويل نظام الأرض من فتيل للاقتتال القبلي إلى وقود للنهضة، مستلهمين تجارب دول كبوتسوانا وغانا والمكسيك. وذلك عبر:

منصة الحوكمة الرقمية الموحدة:

بتقنين الحواكير التاريخية كأصول عينية ورقمية غير قابلة للتلاعب، بعد مرحلة انتقالية لتدقيق السجلات بإشراك الشيوخ والحكماء والإدارة الأهلية.

إدماج الملكيات العرفية في الصناديق الاستثمارية الإقليمية:

وذلك لضمان مصالح الملاك التاريخيين وحفظ مسارات الرعاة، بدلاً من مصادرتها كما فعل قانون عام 1970.

3.تعليم التنمية (الترياق الحقيقي للحرب):

إن الفجوة بين مخرجات الجامعات التقليدية ومتطلبات النهضة هي التي خلقت جيوشاً من المحبطين القابلين للاستقطاب العسكري. رؤيتنا تكمن في احلال التعليم التنموي بدلا عن تعليم التلقين التقليدي ويتحقق ذلك ب:

ربط المنهج بالجغرافيا:

إعادة هندسة القبول الجامعي في الأقاليم، لتصبح جامعات الغرب والوسط مراكز لتقنيات الإنتاج الزراعي والحيواني، وجامعات الشرق والشمال حواضن لعلوم البحار والتعدين وطاقة المستقبل.

إعلاء قيمة التعليم التقني والفني:

برفع المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمعلم والأستاذ الجامعي بوصفه ركيزة للأمن القومي.

4.احتكار العنف وهندسة التحول الوظيفي للعسكر:

لا تنمية بلا أمان، ولا أمان مع تعدد الجيوش والبنادق. لذلك تتبني رؤيتنا دمج كافة القوات والحركات المسلحة في جيش وطني واحد، قومي ومهني، ذو عقيدة عسكرية واضحة تنأى بنفسها عن السياسة. يتم ذلك بإتباع السياسات التالية:

التحول الوظيفي:

انتقال المؤسسة العسكرية من دور الجهة الحاكمة إلى الجهة الحامية للدستور ومشاريع الاستثمار ورأس المال الوطني.

تحويل الشركات المملوكة للأجهزة الأمنية والعسكرية إلى شركات مساهمة عامة يساهم فيها الشعب والقادة العسكريون، ليرتبط الأمن القومي باستقرار الاقتصاد الكلي.

النزع والتسريح الاقتصادي:

استيعاب المقاتلين السابقين بعد نزع سلاحهم في شركات أمنية مدنية لحماية المنشآت الحيوية، وتخصيص حصص لهم في الصناديق الاستثمارية لربط مصالحهم بالاستقرار لا بالفوضى.

5.السيادة الوطنية والتوازن الجيوسياسي:

صياغة علاقات السودان الخارجية بناء على الندية والمصالح المشتركة، والتحول من المحاور السياسية الضيقة إلى الدبلوماسية الاقتصادية (نقل التكنولوجيا، وجذب الاستثمارات، وفتح الأسواق).

كما يجب التمسك بالهوية والمرجعيات الدينية والوطنية كحصن للتماسك الأخلاقي والمجتمعي، فالحداثة تعني توطين العلم وليست استيراداً أعمى يسلب الإرادة الوطنية.

الكتلة الحيوية القائدة: الشباب والمرأة وصناعة المستقبل

إن إدارة قوى المقاومة البنيوية – سواء تمثلت في البيروقراطية المعرقلة، أو عقدة الاعتماد على عطايا الدولة، أو التحكم الأمني – تتطلب حاملاً اجتماعياً جديداً يمتلك المصلحة الحقيقية في التغيير. هذا الحامل هو تحالف (الشباب التنويري المنتج) و (المرأة صانعة الاستقرار والشريكة في القرار).

على الشباب اليوم أن يرتادوا آفاق التحول الرقمي والإنتاج الفعلي لغلق منافذ الفساد، وتفكيك الخطاب الأيديولوجي المأزوم بلغة الأرض والعمل. وعلينا فور انتهاء الحرب تحويل طاقات المقاومة الشعبية الشبابية إلى كتائب إعمار مدنية تجنباً لعسكرة المجتمع.

كما تقف المرأة السودانية اليوم كصمام أمان قيمي لحماية المجتمع من تيارات التغريب وسيولة الحرب، مؤهلة لقيادة منصات العدالة الانتقالية والمصالحة المحلية ورتق النسيج الاجتماعي، وتحويل النفير المجتمعي إلى مؤسسات عمل مدني واقتصادي.

خاتمة الأمل والواقعية:

إننا لا نطالب بمعجزة، ولا نزعم امتلاك الكمال، لكننا نضع مقاربة تدعو إلى الترميم بدلاً من الهدم الفوضوي. إننا نرمي للبناء فوق النجاحات المحدودة، وننشد خلق البدائل المؤسسية الفاعلة لتتلاشى الدولة القديمة تلقائياً أمام كفاءة ونزاهة البديل الرقمي والمؤسسي.

الشرط الأساسي لنجاح هذا العقد الإنتاجي الجديد هو الانتقال بالوعي من ضيق القبيلة إلى رحاب القومية المنتجة. فالانتماء للسودان يصبح حقيقياً وملموساً عندما يرى المواطن ثمار كده في الحقل والمصنع تنعكس في حياته وحياة أبنائه أماناً ورفاهية.

لقد عانينا طويلاً ودفعنا ثمن الإقصاء والمحاصصات حروباً دمرت الأرض والإنسان. والآن تبرز الفرصة التاريخية لنصنع بوعينا سوداناً جديداً يمتد مجده من الريف المنهك ليصيغ وجه المركز، وطن يسع الجميع بإنتاجه وعدالته.

نعم إن الجراحة البنيوية قد بدأت… مشرطها الوعي، وسندها الإنتاج، وغايتها السيادة والاكنفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى