الأحداث – تقرير
تبدو الحياة في السودان كمشهد سينمائي غارق في التراجيديا، حيث لم تعد الأزمات المعيشية خبرًا يستحق التوقف عنده، بل واقعًا معاشًا يتجدد مع طلوع شمس كل يوم. وبات المواطن يتنقل بين أزمات الكهرباء والمياه وغلاء الأسعار.
وعلى مدار الأيام، أضحى انقطاع الكهرباء في الخرطوم بسبب عطل فني عابر خبرًا لا يستدعي الانتباه، بل تحول إلى مشهد يومي قاسٍ: نساء يحملن الجرادل لمسافات طويلة بحثًا عن الماء، ومرضى ينتظرون الأكسجين الذي يُشترى من خارج المستشفى، وطلاب يقطعون الطرقات مشيًا لعدم توفر المواصلات، وتجار يبيعون ألواح الطاقة الشمسية كمن يبيع طوق نجاة بسعر لا يطيقه أحد.
هذا هو الوجه الإنساني المباشر لحرب جديدة تُدار في السماء، حرب المسيرات على البنية التحتية.
خلال الأسبوع الماضي فقط، ارتفع عدد محطات الكهرباء التي تعرضت لهجمات بطائرات مسيرة في السودان إلى 17 محطة، عقب استهداف ثلاث محطات في كسلا والشمالية يوم الاثنين 2 نوفمبر، ما أدى إلى انقطاع التيار عنهما وتدمير إحداها بالكامل.
ويأتي استهداف محطات الكهرباء ضمن نمط متصاعد من الهجمات بالطائرات المسيرة على محطات الكهرباء والبنية التحتية في عدد من الولايات خلال الأيام الماضية، ما أدى إلى انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء والمياه.
وشملت الهجمات خلال الأيام الماضية المحطات التالية: المرخيات التحويلية في أم درمان بولاية الخرطوم، وهيا في ولاية البحر الأحمر، وأبو حمد وشندي في ولاية نهر النيل، والدبة ومروي في الولاية الشمالية، والفاو والحواتة في ولاية القضارف، والجنيد والمناقل في ولاية الجزيرة، وسنجة في ولاية سنار، وأم دباكر ومشكور وتندلتي في ولاية النيل الأبيض، وكادقلي في ولاية جنوب كردفان، وأروما وحلفا الجديدة في ولاية كسلا.
وتعتبر منظمة “محامو 4” أن تتابع الضربات يشير إلى نمط ممنهج يستهدف البنية التحتية المدنية، محذرة من أن الهجمات أدت إلى تعطيل إمدادات الكهرباء والمياه وتهديد عمل المرافق الصحية وسلاسل حفظ الأدوية والأغذية.
نقل المياه بالجرادل
وتقول المواطنة ريان عمر عثمان، من سكان الثورة، الحارة العاشرة، وتعمل موظفة بمحلية كرري، لـ”الترا سودان”: “تتجدد المعاناة كل يوم، فمنذ الصباح نواجه أزمة المواصلات، بسبب عدم توفر الوقود نتيجة انقطاع الكهرباء”.
وتضيف: “إن ما يحدث من استمرار للأزمات يؤثر علينا بشكل كامل، في المنازل وفي كل شيء، من نقل المواد الغذائية، وعدم توفر غاز الطبخ، والانقطاع المستمر للكهرباء، وأزمة المياه المتكررة، التي لا تتوفر إلا عبر ماكينات الضخ الكهربائية. وفي ظل عدم توفر الكهرباء، يضطر المواطن إلى قطع مسافات طويلة بحثًا عن الماء”.
شلل بنسبة 50%
ويلخص عادل عبد الله، المعلم بالمرحلة الثانوية في ولاية الخرطوم، المعاناة ذاتها، قائلًا: “الحياة في السودان تعمل بنسبة لا تتعدى 50%، فالمواطنون يقطعون مسافات طويلة على أقدامهم بسبب عدم توفر المواصلات، وانقطاع الكهرباء أفسد الأدوية للمرضى لعدم وجود مبردات، بالإضافة إلى أن المستشفيات تعمل بمولدات ذات أسعار غالية جدًا”.
المستشفيات.. الأكسجين يُشترى من الخارج
ويقول المدير العام لمستشفى أم درمان التعليمي، الدكتور عبد المنعم علي القاسم، إن قوات الدعم السريع استهدفت في الآونة الأخيرة الأعيان المدنية، وخاصة محطات الكهرباء التي تغذي العاصمة القومية.
ويضيف لـ”الترا سودان”: “الكهرباء هي أساس الحياة، عليها تعتمد المياه وتقديم الخدمات الطبية. في حال انعدام المياه تأتي الأمراض المعدية وتقل الخدمات الطبية أو تتأخر”.
ويكشف أن محطة الأكسجين الرئيسية داخل المستشفى تأثرت بسبب انقطاع التيار، “فصار الإمداد نشتريه من الخارج، ولكن الحمد لله الأمور الآن مستقرة”. ويؤكد أن المستشفى عاد للعمل بصورة شبه طبيعية، وأن العمليات الباردة عادت كما هو مخطط لها، فيما تعمل أقسام الحوادث على مدار 24 ساعة.
ويعتبر القاسم أن لجوء قوات الدعم السريع إلى هذا العمل “الإجرامي وغير الإنساني” جاء بعد أن بدأت الحياة تعود إلى الخرطوم وأم درمان وبحري، ومع عودة التعليم العالي عبر المستشفيات وكليات الطب.
استهداف مباشر للمواطن
ويختصر المواطن علي محمد علي ما يشعر به كثيرون، قائلًا: “استهداف قوات الدعم السريع للمحطات الكهربائية ومحطات البترول أثّر تأثيرًا بالغًا على حياة المواطن وتكاليف المواصلات. هذا استهداف مباشر للمواطن وليس لأي جهة أخرى”.
ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط على الجهات التي تمول قوات الدعم السريع لوقف ما وصفه بأذى المواطن.
ويصف مواطن آخر ما يجري بأنه “مأساة بمعنى الكلمة، تمس المواطن والطفل والمرضى وكل إنسان”، مشيرًا إلى أن غالبية المواطنين أصبحوا يلجأون إلى شراء الطاقة الشمسية، لكن أسعارها لم تعد في متناول الجميع.
طوق نجاة
ومع كل مسيرة تضرب محولًا، يزداد الإقبال على الطاقة الشمسية.
يقول محمد علي عبد الله محمد، مدير مبيعات شركة محطات للطاقة الشمسية: “بعد استهداف محطات الكهرباء بالمسيرات، زاد الإقبال على سوق الطاقة الشمسية بصورة مكثفة. أصبح من الضروري أن يكون في كل بيت نظام للطاقة الشمسية، ولو كان مكونًا من لوحين أو ثلاثة، فقد أصبحت ضرورة في حياة الشعب السوداني”.
ويوضح أن الأسعار ارتفعت تبعًا لذلك، إذ ارتفع سعر اللوح من 1250 إلى 1300 و1350، مع تفاوت الأسعار بين المحلات، مشيرًا إلى أن أسعار المنظومات تضاعفت بأكثر من 300% مقارنة ببداية عملهم في أم درمان، بسبب ارتباطها بسعر الصرف.
وتعد ألواح “جينكو” الأكثر مبيعًا، فيما تتراوح أسعار منظومة 5 كيلوواط بين 7 و8 ملايين جنيه، ومنظومة 48 فولت بين 8.3 و8.5 مليون جنيه، حسب العلامة التجارية.
وأدان مجلس الوزراء السوداني، الأحد، الاعتداءات المتكررة على المنشآت والمرافق الخدمية بطائرات مسيرة قال إنها تنطلق من الأراضي الإثيوبية، واعتبرها “جريمة ضد الإنسانية”، موجهًا بتعزيز حماية المنشآت ومحطات الكهرباء والعاملين فيها.
وكانت وزارة الخارجية السودانية قد أعلنت، الأحد، تقديم شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، متهمةً قوات الدعم السريع باستخدام الأراضي الإثيوبية لشن هجمات بطائرات مسيرة على مواقع مدنية ومحطات كهرباء في عدد من الولايات.
وقالت الوزارة إن الهجمات تسببت في سقوط ضحايا مدنيين وتعطيل الخدمات الأساسية، وإن الحكومة أرفقت بالشكوى وثائق ومستندات قالت إنها تثبت استخدام قوات الدعم السريع الأراضي الإثيوبية لإطلاق مسيرات انتحارية وأخرى مزودة بصواريخ، لاستهداف الأعيان المدنية والمرافق الحيوية.
وسبق للحكومة السودانية أن عرضت، خلال تنوير صحفي مشترك في الخرطوم، طائرات مسيرة قالت إن دفاعاتها الجوية أسقطتها، إلى جانب بيانات عن مساراتها وصور أقمار اصطناعية قدمتها بوصفها أدلة على انطلاق بعض الهجمات من داخل إثيوبيا، بما في ذلك مطار بحر دار.
نقلا عن “الترا سودان”