فيما ارى
عادل الباز
(1)
شهدت جائزة البوكر العربية في عام 2015 زخماً إضافياً، بعد أن اشتدّ التنافس عليها وتحولت إلى منصة يعبر منها الكتّاب العرب نحو العالمية. وقد تنقلت الجائزة بين أكثر من بلد عربي؛ ففاز بها المصري بهاء طاهر، والسعودي عبده خال، والكويتي سعود السنعوسي، قبل أن تستقر هذا العام في تونس مع شكري المبخوت.
كسرت الجائزة، عبر اختياراتها، شيئاً من احتكار المركز المصري لفن الرواية العربية، إذ أسهمت في اكتشاف أصوات روائية مهمة أضافت إلى المشهد العربي كتّاباً جدداً، وأكسبتها مزيداً من الثقة لدى الأدباء والمثقفين.
(2)
قال الشاعر والروائي مريد البرغوثي، صاحب *رأيت رام الله* ورئيس لجنة تحكيم الجائزة عام 2015، في حفل الافتتاح:
> «شكري المبخوت صاحب رواية أولى مدهشة، كدهشة بداية الرواية نفسها؛ فمشهدها الافتتاحي يثير الفضول، ويسلّمك، عبر إضاءة تدريجية ماكرة وممتعة، إلى كشف التاريخ المضطرب لأبطالها ولحقبة من تاريخ تونس».
وبالفعل، تؤرخ رواية *الطلياني* لمرحلة مهمة من تاريخ تونس الحديث، تمتد من أواخر عهد الحبيب بورقيبة إلى عهد زين العابدين بن علي. وهي مرحلة شهدت تآكلاً في القيم العامة، وقمعاً واسعاً للإسلاميين واليساريين، وتضييقاً على المجال السياسي والثقافي والاجتماعي.
(3)
الرواية، في جوهرها، حزمة ضوء تُسلَّط على تاريخ تلك الحقبة. فأبطالها ليسوا مجرد شخصيات مستقلة، بل أدوات لكشف دهاليز نظام مهترئ عبث بالقيم الدينية والاجتماعية، ومارس أشكالاً متعددة من القمع النفسي والفكري والسياسي.
وغالباً ما تُنتج الأنظمة القمعية في أقبية سلطتها شخصيات مهزومة ومشروخة من الداخل. وقد نجح الروائي التونسي شكري المبخوت في رسم هذه الشخصيات، وفي إظهار أثر النظام في تكوينها وانكسارها وتحولاتها.
(4)
يروي المبخوت قصة الشاب التونسي عبد الناصر الطلياني، بطل الرواية، الذي عانى انكسارات نفسية مبكرة منذ طفولته، حين تعرض لاعتداء جنسي. ومنذ تلك الحادثة، إلى لحظة انتقامه من مغتصبه عند قبر أبيه، ظل أسيراً لشهواته ولجراحه القديمة، على الرغم من ثقافته العالية وتضحياته الجريئة في سبيل حزبه.
رُسم الطلياني بوصفه ضحية حادثة اغتصاب، وضحية أكبر لمنظومة القهر التي طبعت عهدي بورقيبة وبن علي. وقد استخدمه الكاتب دالاً على حقبة كاملة؛ فتتبعه منذ كان طالباً في كلية الحقوق، مناضلاً سياسياً ومثقفاً بارزاً وشخصية متمردة عصية على التطويع، إلى أن انتهى كاتباً في بلاط النظام.
ومن خلال شخصية الطلياني، يكشف المبخوت كيف تُدار السياسة، وكيف يُستغل الجنس وتُجنَّد العاهرات في دهاليز الجامعات والصحف لكسر شوكة المناضلين، يساريين كانوا أم إسلاميين. فالنظام، في الرواية، لا يتورع عن استخدام أي أداة قذرة في صراعه مع خصومه.
(5)
عاش عبد الناصر الطلياني حياة سياسية وشهوانية ملتهبة، كما عاشت زينة، بطلة الرواية الثانية، حياة متمردة لا تعرف فيها انتماءً ثابتاً، رغم ثقافتها الواسعة وخلفيتها الإسلامية. ومن خلال تتبع الكاتب لتحركات هاتين الشخصيتين وتفاصيل حياتهما، تتعرى منظومة الحكم في عهدي بورقيبة وبن علي.
تكشف الرواية كيف انتهى التعليم إلى حطام، وتحولت الجامعات إلى مراكز للتجسس وصيد الخصوم، وكيف صارت الصحافة أداة للتطبيل والتدجين والإقصاء. كما تصور تحول المثقفين الكبار إلى كتبة في بلاط السلطة، وتمدد الحزب داخل أجهزة الدولة إلى حد جعل الحصول على وظيفة صغيرة مشروطاً برضاه ورضا أجهزته الأمنية.
وباختصار، ترسم الرواية صورة تونس وقد لوثتها قاذورات سياسية وثقافية وصحافية تشبه النظام في لحظات تعفنه الأخيرة، قبل أن تهب عليها نفحات ثورة الياسمين.
(6)
يتخذ المبخوت حيلة سردية ذكية في تتبع أحداث الرواية؛ إذ يبدأ من مشهد شديد الحساسية: لحظة دفن والد الطلياني. ومنذ الصفحة الأولى يفجّر الصراع، ثم يعود تدريجياً إلى الخلف ليفك طلاسم ذلك المشهد المربك
لماذا اختار الطلياني الاعتداء على شيخ مسن يمثل رمزاً دينياً، في يوم وفاة أبيه، وعلى مشارف المقبرة أثناء الدفن؟ هذا الحدث الذي يهز المدينة يصبح الخيط الرئيس الذي يجعل متابعة الرواية مشوقة وجاذبة.
(7)
يبقى النفس السردي للرواية متصاعداً، لا يكاد يهدأ، لأن الكاتب يشد أقواس التوتر عبر الأحداث السياسية التي تعصف بأبطاله: المؤامرات، والمظاهرات، وحكايات السجون، والصراعات والنقاشات الطلابية الدائمة بين التيارات المتنافسة في الجامعة.
ثم يضيف المبخوت عنصراً آخر للتوتر، هو الجنس، الذي يستخدمه لتصوير الانكسارات الأخلاقية الكبيرة لدى بعض الشخصيات. وبعد أن يشد هذه الأقواس المتوترة، يوجه سهام نقده إلى الطبقة المثقفة المتعلمة، بسبب خنوعها واستسلامها لامتيازاتها، وعجزها عن الالتحاق الفعلي بالحراك المقاوم للنظام.
كما يكشف طرائق استخدام السلطة للقهر والجنس والمال أدواتٍ للسيطرة على الحياة الطلابية والصحافية والثقافية.
(8)
يستخدم المبخوت راوياً شاهداً ليحكي قصة الطلياني بكل تفاصيلها، في اختيار ذكي يسمح لخيوط الرواية بأن تمضي في مساراتها المتصاعدة من دون تدخل مباشر يفسد تدفق الأحداث. وكثيراً ما ننسى، خلال القراءة، حضور الراوي الذي يلتصق بالأحداث ويشهد عليها بحكم قربه من معظم الشخصيات، ولا سيما من عبد الناصر الطلياني، صديق طفولته.
وقد ذكّرني هذا الراوي بصوت الراوي في رواية الطيب صالح *موسم الهجرة إلى الشمال*، إذ يظهر في المنعطفات الخطرة. غير أن استخدام المبخوت للراوي يشوبه في نهاية الرواية قدر من التقرير المباشر والرتابة، ولا سيما في وصف الشخصيات الأساسية، وهو ما يضيّق مساحة التخيّل لدى القارئ.
أطلق المبخوت في فضاء روايته مجموعة من الشخصيات لتخدم أغراضاً محددة، لكنه تجاوز بعضها سريعاً وأخرجها من السياق. اهتم بالبناء الفني لشخصيات بعينها، بينما بقيت شخصيات أخرى أقرب إلى التسطيح. وهذا مفهوم، إلى حد ما، في عالم الرواية؛ فالشخصيات المؤثرة تتلقى نصيباً أكبر من التكوين، فيما تُهمّش الشخصيات الثانوية. ومع ذلك، فإن بعض الشخصيات المساعدة أدت دوراً مهماً في كشف جوانب من الشخصيات الرئيسة، ومنحت الأحداث زخماً نوعياً في مواضع كثيرة.
(9)
لعل أكثر ما يضعف بناء الرواية هو ميل الكاتب إلى تشويه معظم الشخصيات التي يوظفها في النص، حتى يكاد يخلو عالمها من شخصية سوية أو مساحة أخلاقية مضيئة.
فرأس الدولة، بن علي، يُصوَّر ديكتاتوراً سياسياً تافهاً انقضّ على رئيسه بورقيبة في لحظة ضعفه، وأغرق البلاد في فساد بلا قاع. ويظهر فساد أسرته وذويه، وخصوصاً ليلى الطرابلسي، بوصفه وجهاً من وجوه انهيار الدولة. ولحماية فساد القصر، تصاعد القهر، وأُقصيت النخب، واشترى النظام الإعلام، فتحولت تونس، في هذا التصوير، إلى مزرعة يحكمها الخوف والانتهازيون والنفعيون المحيطون بالقصر، ينهشون لحم الشعب.
(10)
أما عبد الناصر الطلياني، فهو مناضل وصحافي، لكنه في الوقت نفسه داعر وانتهازي. يرى الطلياني أن ينتقم من المجتمع عبر العلاقات المحرمة، ويرفض دعوات الزواج، مردداً: «لِمَ أشتري بقرةً والحليب يُباع في الأسواق؟»
يبقى الطلياني أسيراً لنزعة استهلاكية في علاقاته بالنساء، ثم يدخل الحياة العملية ويخالط الصحافيين والمثقفين، فيدرك سخافة عالم موبوء بالنميمة والضغائن والاغتياب، عالم يعاني أمراضاً مزمنة صنعتها نرجسيات جريحة وجارحة
ويقول الطلياني عن ذلك الوسط:
> «إنه عالم بلا أخلاق موروثة تقليدية، ولا أخلاق جديدة تليق بحاملي القلم؛ يتصرفون كباندية، وجلهم لا يقرأ حتى الصحيفة التي يكتب فيها».
يرى أنهم ليسوا سوى آلة لتعميم الكذب والتفاهة، وخدمة الأجهزة المختصة التي تمولهم. لكن هذا البطل والثائر ينتهي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه كثير من المثقفين والصحافيين: كاتباً في بلاط بن علي، وسكيراً في حانات تونس، ورجلاً يطارد فرائسه، وحطام ثائر لم يستطع مقاومة منظومة الفساد.
في البناء الأولي لشخصيته، يرسمه المبخوت مناضلاً طلابياً كبيراً ومثقفاً يسارياً ملماً بنظريات ماركس وإنجلز وروزا لوكسمبورغ وكاوتسكي وغيرهم، إضافة إلى مهاراته في التنظيم والتجنيد. غير أن هذه الصورة سرعان ما تتداعى وسط الصراعات العنيفة خارج أسوار الجامعة. فالمنظومة الفاسدة التي تنتظره هناك تبتلعه كما ابتلعت كثيراً من الأنقياء الذين عرفهم في سنوات النضال الطلابي.
(11)
أما زينة، فهي من الشخصيات التي أبدع المبخوت في رسمها بعناية. إنها فتاة من الساحل، أبوها شخصية اجتماعية بارزة وأمها أجنبية، ولذلك نشأت بين ثقافتين متناقضتين أثرتا بعمق في حياتها وفي طرائق تعاملها مع تقاليد المجتمع التونسي وقيمه المحافظة.
قادها هذا التناقض إلى موقع اللامنتمية. ففي نقاشاتها داخل الجامعة، كانت تنتقد التيارين الأساسيين: اليسار والإسلاميين. فهي تهاجم «الوعي الطلابي البائس والفاشية ذات المشروع الديني الاستبدادي»، وتصف اليسار بأنه «الجاهل والكلب الأعمى الذي يجسّ في مزابل اللينينية الستالينية العفنة».
«لا تُصنع الثورات بأفكار متكلسة إلا لتنتج ديكتاتوريات تافهة».
(12)
تعصف أفكار زينة المتناقضة بحياتها مبكراً؛ فتطلق زوجها الأول الذي اقترنت به تحدياً لأسرتها وإثباتاً لاستقلال قرارها. ثم تلتقي عبد الناصر الطلياني في ساحات الجامعة وأركان النقاش، حيث تبدو صعبة المراس ومندفعة في آرائها.
لكن الطلياني ينجح في استمالتها، لتصبح واحدة من ضحاياه العاطفيات. وفي أول جلسة بينهما، يتأمل عينيها الخضراوين ويرى فيهما «بريق غنج لم ينتظره، وسيماء فرح أكدا له أنها، رغم مظهرها، يطربها الثناء مثل كل الغواني».
تتزوج زينة من الطلياني زواجاً عرفياً لا يدوم طويلاً، ثم تتركه وتغادر البلاد لتتزوج من أجنبي وتنهي حياتها بعيداً عن تونس
(13)
في *الطلياني*، يصعب العثور على شخصية سوية نجحت في الخروج من براثن نظام بن علي سليمة. يرسم الكاتب تونس شديدة القتامة، ويكاد يقدم إدانة شاملة للنظام الحاكم وللنخب المثقفة باختلاف تياراتها، من دون أن يترك مساحة حقيقية لشخصية تمثل الخير أو المقاومة الفاعلة.
ولعل انغماس الكاتب، بوصفه أستاذاً جامعياً ينتمي إلى الطبقة المثقفة، في صراعات هذه الطبقة الفوقية مع نظام بن علي من أجل تعظيم المكاسب أو الحفاظ عليها، هو ما حجَب عنه إشارات الثورة التي كانت تتخلق في الطبقات الدنيا من المجتمع، قبل أن تتفجر لاحقاً في ثورة الياسمين، مع حادثة محمد البوعزيزي وما تلاها.
لقد فضحت الرواية، بعمق، الأدوات التي استخدمها نظام بن علي للقهر والسيطرة. لكنها أغفلت، في المقابل، الإشارة إلى المقاومين الحقيقيين للنظام وإلى التضحيات الكبيرة التي قدموها، فبدت في بعض مواضعها سجلاً لإدانة الجميع بلا استثناء.
(14)
يقول شكري المبخوت:
> «الطلياني، بموضوعاتها وعوالمها المتخيلة، فرضت نفسها في سياق شهدته تونس بعد الثورة، وكان الفن الروائي وحده قادراً على التعبير عنها».
والواقع أن الرواية تعاني في بعض جوانبها من التقرير المباشر والتسطيح، كما يضمر خيالها أحياناً في تتبع خيوط كان يمكن أن تمنحها ثراءً أكبر. ومع ذلك، تبقى *الطلياني*، بوصفها التجربة الروائية الأولى لشكري المبخوت، عملاً جديراً بالقراءة، لما تفتحه من أسئلة عن السلطة والجسد والمثقف والهزيمة الفردية والجماعية.
أما مدى استحقاقها جائزة البوكر، فلا يمكن حسمه إلا بقراءتها ضمن سياق الروايات الأخرى التي وصلت إلى القائمة القصيرة في ذلك العام.
# *من ارشيف الكاتب*