تقارير

الصين من القاهرة: هل تحاول بكين بناء نظام أمني شرق أوسطي بديل؟

زيارة شي جين بينغ إلى مصر اليوم تحمل معنى أكبر بكثير من جدول الاتفاقات الاقتصادية.
الرئيس الصيني دعا دول الشرق الأوسط إلى النظر في إنشاء إطار أمني إقليمي جديد ورفض التدخل الخارجي.
هذه لغة طموحة بالنسبة لدولة بنت حضورها في المنطقة تاريخياً على التجارة والاستثمار والطاقة، لا على الأمن.
لكن اللحظة الحالية تمنح الصين فرصة.
الحرب الأميركية–الإيرانية أظهرت للدول الخليجية ومصر ودول أخرى مدى هشاشة اقتصاد المنطقة أمام قرارات القوى الكبرى.
وفي الوقت نفسه، تتساءل عواصم عديدة عن مستقبل الدور الأميركي على المدى الطويل.
الصين تريد أن تدخل هذه المساحة.
في القاهرة، اتفق شي والسيسي على تعميق التعاون في الأمن ومكافحة الإرهاب والتكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن الاستراتيجية، إضافة إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة. (Reuters)
صحيفة Financial Times وضعت الزيارة في سياق تحرك دبلوماسي أوسع لشي، الذي زاد وتيرة السفر الخارجي قبل قمة مرتقبة مع ترامب.
وترى الصحيفة أن بكين تحاول تقديم نفسها شريكاً أكثر استقراراً وأقل تدخلاً في الشؤون الداخلية من واشنطن. (Financial Times)
مصر مناسبة لهذا الدور لعدة أسباب.
هي أكبر دولة عربية سكانياً، تسيطر على قناة السويس، تقع بين أفريقيا والشرق الأوسط، وتحصل على مساعدات عسكرية أميركية ضخمة.
إذا استطاعت الصين توسيع نفوذها في مصر، فإنها لا تكسب شريكاً اقتصادياً فقط، بل موطئ قدم سياسي في قلب النظام الإقليمي.
الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعطي العلاقة أساساً مادياً.
هناك مصانع وطاقة ومشروعات بنية تحتية ومناطق صناعية، لا مجرد تصريحات سياسية.
كذلك بدأت العلاقات العسكرية تتحرك، بما في ذلك تدريبات مشتركة.
لكن هناك حدوداً واضحة.
الصين لا تملك حتى الآن شبكة قواعد وتحالفات وقدرات انتشار عسكري تشبه الولايات المتحدة.
كما أنها لا تبدو مستعدة لتحمل تكلفة حماية خطوط الملاحة الإقليمية بالكامل.
وإذا كانت بكين تريد أن تكون قوة أمنية، فإنها ستواجه أسئلة صعبة: ماذا تفعل عندما تقع حرب بين إيران ودولة خليجية؟ هل يمكنها ضمان المرور في هرمز؟ هل ستدافع عن ممرات الطاقة؟ هل ستضغط عسكرياً على طرف يهدد مصالحها؟
حتى الآن تستطيع الصين الاستفادة من وصفة جذابة: «تجارة مع الجميع وعداء مع لا أحد».
لكن النظام الأمني الحقيقي يحتاج إلى اتخاذ مواقف.
وهناك تناقض آخر.
الصين أكبر مستورد للطاقة من المنطقة، ولذلك مصلحتها في الاستقرار ضخمة.
لكن استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في تأمين جانب كبير من البحار والممرات يسمح لبكين بالحصول على فوائد النظام من دون دفع تكلفته الكاملة.
إذا تراجعت واشنطن فعلاً، ستضطر الصين إلى الاختيار بين زيادة حضورها الأمني أو قبول مخاطر أكبر على تجارتها.
زيارة القاهرة تشير إلى أن بكين بدأت تختبر الخيار الأول.
أما مصر، فهي تمارس سياسة تنويع لا قطيعة.
القاهرة لن تتخلى بسهولة عن علاقتها الأمنية الأميركية، لكنها تريد تعزيز قدرتها على المناورة بين واشنطن وبكين وموسكو والخليج.
وهذا هو جوهر ما تسميه «التوازن الاستراتيجي».
لذلك فإن إعلان شي لا يعني أن نظاماً أمنياً صينياً سيولد غداً.
لكنه قد يكون إعلان نية بأن بكين لم تعد راضية بدور التاجر في الشرق الأوسط، وتريد مقعداً في غرفة الأمن أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى