تقارير

الصيف الذي بدأ يحرق اقتصاد أوروبا

الجفاف والحر لم يعودا خبراً بيئياً.. بل دخلا حسابات التضخم والنمو
في قصر Château Carbonnieux بمنطقة بوردو الفرنسية، حيث تعود صناعة النبيذ إلى قرون، اضطر العاملون هذا الصيف إلى التعامل مع واقع كان يبدو استثنائياً قبل أعوام قليلة: الحرارة اقتربت من 108 درجات فهرنهايت، نحو 42 درجة مئوية، وأصبح توفير المياه للكروم مسألة بقاء للمحصول.
هذه الصورة افتتحت بها Wall Street Journal تقريراً مهماً عن صيف أوروبا 2026. لكن جوهر القصة ليس النبيذ الفرنسي. إنه أن تغير المناخ بدأ يظهر بوصفه متغيراً اقتصادياً مباشراً: في أسعار الغذاء والنقل والإنتاجية والنمو والتضخم. (
وتؤكد بيانات المؤسسات الأوروبية أن الظاهرة ليست انطباعاً صحفياً.
قالت خدمة كوبرنيكوس الأوروبية إن يونيو ويوليو 2026 شكلا معاً أكثر فترة يونيو–يوليو حرارة في غرب أوروبا منذ بدء السلسلة الحديثة، بمتوسط بلغ 21.62 درجة مئوية، أي 2.79 درجة فوق متوسط 1991–2020، ومتجاوزاً الرقم القياسي السابق لعام 2022 بفارق يقارب درجة كاملة. وبحلول أغسطس، كانت القارة تواجه موجات حر متكررة وجفافاً شديداً.
وقالت وكالة الفضاء الأميركية ناسا إن أوروبا الغربية كانت بحلول منتصف أغسطس قد مرت بخمس موجات حر خلال الموسم، وإن درجات الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق واسعة.)
أما مرصد الجفاف الأوروبي، فأظهر استمرار ظروف «إنذار الجفاف» في فرنسا وبلجيكا وهولندا وجنوب ألمانيا وشمال إيطاليا وأجزاء واسعة من حوض الدانوب، بما فيها النمسا والمجر ورومانيا وصربيا وكرواتيا. المشكلة لا تتوقف عند المحاصيل.
أربعة من أكبر أنهار أوروبا — الراين والدانوب واللوار والبو — سجلت مستويات شديدة الانخفاض، بعضها وصل إلى مستويات قياسية، وفق مركز الأبحاث المشترك للاتحاد الأوروبي.)
وهذا له أثر صناعي مباشر.
فالراين مثلاً ليس منظراً طبيعياً فقط، وإنما شريان لنقل المواد الكيميائية والوقود والفحم والمواد الخام إلى القلب الصناعي الألماني. عندما ينخفض مستوى المياه، لا تستطيع السفن تحميل طاقتها الكاملة، فيزداد عدد الرحلات المطلوبة لنقل الكمية نفسها وترتفع التكلفة.
وفي الزراعة تظهر الأزمة في شكل مختلف.
الحرارة العالية تقلل الغلة وتزيد استهلاك المياه، بينما تؤثر على الثروة الحيوانية ومزارع الأسماك أيضاً. وأظهرت تقارير من وسط وشرق أوروبا خسائر في أحواض الأسماك بسبب ارتفاع حرارة المياه وانخفاض مناسيبها؛ ففي المجر وحدها نفقت مئات الأطنان من الأسماك في بعض المناطق المتضررة. أما النتيجة التي يشعر بها المستهلك فهي الأسعار.
ينقل تقرير WSJ تقديرات اقتصادية بأن صدمة الصيف قد تضيف نقطة إلى نقطتين مئويتين إلى تضخم الغذاء، بينما يمكن أن تقتطع نحو 0.2 نقطة مئوية من نمو منطقة اليورو في الربع الثالث. كما قدرت خسائر فرنسا المرتبطة بالحرائق والجفاف والحر بنحو 15 مليار يورو.)
هذا يخلق مشكلة جديدة للبنوك المركزية.
عادةً يمكن النظر إلى صدمة الطقس باعتبارها مؤقتة. لكن إذا أصبحت موجات الحر والجفاف تحدث كل صيف تقريباً، فإنها تتحول من «صدمة» إلى جزء بنيوي من الاقتصاد.
وعندها يواجه البنك المركزي معضلة: رفع الفائدة لا يستطيع إنزال المطر أو تبريد الحقول، لكنه قد يصبح مضطراً إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة إذا انتقلت صدمات الغذاء والطاقة إلى الأجور والأسعار الأخرى.
وهناك بعد مالي آخر.
الدول الأوروبية تحتاج إلى استثمارات ضخمة لتكييف المدارس والمستشفيات والمنازل وشبكات المياه والسكك الحديدية مع درجات حرارة لم تصمم بنيتها التحتية تاريخياً لتحملها.
أي أن فاتورة المناخ تأتي مرتين: خسارة الإنتاج اليوم، ثم تكلفة التكيف غداً.
والقصة الأوروبية مهمة للعالم النامي أيضاً. فإذا كانت الاقتصادات الغنية تواجه صعوبة في تمويل التكيف مع موجات حر تتجاوز الأربعين، فإن التحدي يصبح أشد في البلدان ذات شبكات الكهرباء والمياه والصحة الأضعف.
ولهذا لم يعد سؤال المناخ: كم ترتفع درجة حرارة الأرض؟
السؤال الاقتصادي الجديد هو: كم نقطة من التضخم والنمو والدين العام ستكلفنا كل درجة إضافية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى