القاهرة :ماجدة حسن
شارك السودان في فعاليات مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في دورته الرابعة والثلاثين، الذي أقيم بالقاهرة خلال الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر الجاري، بورقتين بحثيتين تناولتا واقع النقد الموسيقي وإشكاليات التناول الأكاديمي والإعلامي للموسيقى، قدمهما كل من الأستاذ الدكتور الفاتح حسين والدكتور وليد محمد الجاك.
وجاءت الورقة الأولى بعنوان «الموسيقى العربية بين النقد الأكاديمي والتناول الإعلامي: النقد الفني في السودان ما بين الانطباعية والتخصصية»، وقدمها الأستاذ الدكتور الفاتح حسين، العميد السابق لكلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.
وتناول د. الفاتح حسين الغناء والموسيقى في السودان باعتبارهما جزءاً أصيلاً من الهوية والوجدان السوداني، مشيراً إلى إسهام الموسيقى في تشكيل الملامح الثقافية للمجتمع من خلال تنوع اللهجات والألحان والإيقاعات في مختلف مناطق السودان، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للسودانيين، وليست مجرد وسيلة للتسلية والترفيه.
كما ناقشت الورقة مفهوم النقد الفني ومدارسه المختلفة، ومن بينها المدرسة السيكولوجية، والمدرسة الاجتماعية، والمدرسة التأثيرية، والمدرسة الموضوعية، إلى جانب التمييز بين النقد البناء والانتقاد الهدام. وأوضح أن النقد البناء يقوم على النصيحة الصادقة التي تستهدف مصلحة الموجه إليه النقد وتصحيح الأخطاء وتطوير التجربة، بينما يتحول التجريح والتشهير إلى ممارسة لا تستهدف الإصلاح، وإنما الإساءة إلى الآخرين واستغلال نقاط ضعفهم والنيل من مكانتهم في المجتمع.
وفي الجانب التطبيقي من الورقة، أجرى د. الفاتح حسين استطلاعاً لآراء محرري الصفحات الفنية في الصحف السودانية، إلى جانب مختصين في النقد الموسيقي من الموسيقيين الأكاديميين، للوقوف على طبيعة النقد الموجود في السودان، وما إذا كان يمثل نقداً فنياً متخصصاً أم يغلب عليه الطابع الانطباعي.
وخلصت الدراسة إلى اتفاق أفراد العينة على أهمية النقد الفني في مجال الموسيقى، سواء أكان انطباعياً أم موضوعياً متخصصاً، باعتبار أن كليهما يمكن أن يخدم الموسيقى ويسهم في توثيق مختلف مراحل الحركة الفنية وعناصرها.
وأظهرت النتائج أن النقد الانطباعي هو الأكثر انتشاراً في السودان مقارنة بالنقد المتخصص، سواء في الصحافة أو البرامج الإعلامية أو وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تقوم كثير من الأحكام على الإعجاب بالعمل الفني أو عدم الإعجاب به، دون الاعتماد على التحليل المنهجي الذي يميز النقد المتخصص.
وأوصت الدراسة بضرورة توسيع دائرة النقد الفني المتخصص في الموسيقى، لما له من أهمية في تقويم التجارب الفنية وتحليلها وتطويرها. كما خلصت إلى أن ما يقدمه مشرفو الصفحات الفنية في الصحف يتمتع بتأثير قوي على الجمهور، بحكم المساحة اليومية المتاحة لهم واستمرارية حضورهم في الصحافة، مقارنة بندرة كتابات المتخصصين، الأمر الذي خلق نوعاً من عدم التوازن بين النقد الانطباعي والنقد التخصصي.
وليد الجاك: النقد حلقة وصل بين الإبداع والمتلقي
أما الورقة الثانية فجاءت بعنوان «النقد الموسيقي في الموسيقى العربية: إشكاليات التناول الأكاديمي والإعلامي في الموسيقى»، وقدمها الدكتور وليد محمد الجاك، رئيس قسم الموسيقى بكلية الموسيقى والدراما.
واستهل د. وليد الجاك ورقته بتعريف النقد، موضحاً أنه في جوهره يمثل عملية معرفية غايتها تصحيح الأوضاع، وتجويد الأداء، وتعزيز الوعي، وإثراء الإنتاج الإبداعي.
وأشار إلى أن أهمية النقد تزداد في مجال الموسيقى باعتباره حلقة وصل بين الإبداع الموسيقي والمتلقي، فهو لا يقتصر على إصدار الأحكام، وإنما يسهم في تفسير الظواهر الموسيقية وتحليل الأعمال الفنية وتقويمها في ضوء معايير علمية وجمالية، بما يعزز الحركة الموسيقية، ويدعم مسيرة البحث والتوثيق، ويرتقي بالذائقة الفنية.
وتناول د. وليد الجاك عدداً من المناهج والنظريات الفنية في بعض الثقافات، من بينها المنهج الشكلي، والمنهج البنيوي، والمنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج الجمالي، كما قدم ملامح من أرشيف النقد الموسيقي في الموسيقى العربية، ونماذج من أعلام النقد الموسيقي العربي وإسهاماتهم في هذا المجال.
وتوقفت الورقة عند عدد من الإشكاليات التي تواجه النقد الموسيقي، وحددتها في إشكالية اللغة النقدية، وإشكالية الجمهور المستهدف، وإشكالية البساطة والعمق، وإشكالية العلاقة بين الأكاديمية والإعلام.
كما ناقشت الورقة الأثر النقدي للمؤسسات الأكاديمية والإعلامية في الموسيقى العربية، وطرحت مجموعة من التساؤلات حول طبيعة هذا الأثر، وما إذا كانت المؤسسات الأكاديمية والإعلامية قد أحدثت تغييراً ملموساً في الإنتاج الموسيقي والذائقة العامة، وما حدود تأثيرها في مسيرة الموسيقى العربية.
إجماع عربي على أزمة النقد الموسيقي
وشهد المؤتمر تقديم عدد من الأوراق العلمية المتخصصة في مجالات الموسيقى، بمشاركة باحثين ومختصين من مختلف البلدان العربية. وبرز من خلال النقاشات والمداخلات اتفاق واسع على وجود أزمة في النقد الموسيقي المتخصص، إذ يغلب على المشهد النقد الانطباعي، أو ذلك الذي تمارسه الصحافة عبر الصحفيين، في ظل محدودية حضور النقاد المتخصصين.
كما أشار عدد من المتداخلين إلى أن الأزمة لا تتعلق بالنقد وحده، وإنما تمتد إلى الصحافة الثقافية والصفحات الفنية، التي بدأت في عدد من البلدان العربية بالانحسار أو الاختفاء من الصحف، في ظل التحولات التي تشهدها صناعة الإعلام والأزمات الاقتصادية التي تواجه الصحافة.
واختفاء العديد من الصفحات الفنية والثقافية يطرح، بحسب النقاشات التي شهدها المؤتمر، سؤالاً أكبر حول مستقبل الإعلام الثقافي والفني، وحول المساحة المتاحة للموسيقى والفنون في الصحافة والإعلام، في وقت تتراجع فيه المساحات المتخصصة التي كانت تمثل منصة أساسية للنقد والتوثيق والحوار حول الإنتاج الفني.
وتكشف الورقتان السودانيّتان، إلى جانب مجمل النقاشات التي شهدها المؤتمر، أن أزمة النقد الموسيقي أصبحت أزمة عربية تتجاوز حدود بلد بعينه؛ فهي ترتبط بغياب التخصص، وتراجع الصحافة الثقافية، وضعف المساحات الإعلامية المخصصة للفنون، والفجوة بين الأكاديمي والجمهور، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في دور الناقد الموسيقي والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية في مواكبة الحركة الموسيقية العربية وتوثيقها والارتقاء بالذائقة الفنية.