رأي

السودان في قلب التحولات الكبرى… معركة الموقع وإعادة تشكيل الإقليم (الموقع الجيوستراتيجي وإعادة صياغة المستقبل)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

تؤكد خبرة التاريخ السياسي الحديث أن بعض الدول تتحول أحياناً إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي بفعل ما تملكه من أهمية جغرافية واستراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية، حيث يصبح موقعها الجيوستراتيجي جزءاً من ترتيبات أكبر ترتبط بحسابات قوى متعددة، خاصة عندما يتراجع إدراك الدولة لطبيعة هذه الأهمية وتعجز مؤسساتها عن التعامل معها بالكفاءة التي تحفظ إرادتها الوطنية. فالدول كثيراً ما تصبح موضع اهتمام متزايد لأنها تحتل مواقع تجعل مصيرها مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية واسعة، وحينها تتحول أزماتها الداخلية تدريجياً إلى ملفات مفتوحة تتداخل فيها المصالح وتتنافس حولها المشاريع المختلفة.

ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو القراءة التقليدية لما يجري في السودان اليوم قراءة غير كافية لفهم المشهد بكامله. فاختزال الحرب الراهنة في كونها صراعاً داخلياً على السلطة أو مواجهة عسكرية بين أطراف محلية لا يفسر وحده حجم الحراك السياسي والدبلوماسي والإقليمي المتزايد حول السودان خلال الفترة الأخيرة. فهناك سياق أوسع تتحرك داخله الأزمة السودانية، يرتبط بعملية إعادة تشكيل استراتيجية تجري بهدوء داخل محيط إقليمي كامل يعاد ترتيب توازناته السياسية والأمنية بصورة متسارعة.

والحقيقة أن السودان لم يكن يوماً دولة هامشية في الحسابات الاستراتيجية المحيطة به. فبحكم الجغرافيا ظل السودان يمثل واحدة من الدول المحورية التي تقع في نقطة التقاء نادرة بين دوائر نفوذ متعددة؛ فهو ينتمي إلى المجال العربي شمالاً، ويتصل مباشرة بمنطقة القرن الأفريقي شرقاً، ويطل على البحر الأحمر الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ويمتد نحو العمق الأفريقي جنوباً وغرباً، ويتصل بصورة غير مباشرة بفضاء الساحل والصحراء الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر مناطق العالم اضطراباً وحساسية في حسابات الأمن الدولي.

وفي الدراسات الاستراتيجية كثيراً ما توصف مثل هذه الدول بأنها دول أوسطية، أي الدول التي تحتل موقعاً مركزياً يجعل استقرارها أو اضطرابها مؤثراً في بيئات إقليمية متعددة في وقت واحد. وفي مثل هذه الحالات يتحول الموقع الجغرافي نفسه إلى عنصر دائم في حسابات الآخرين، وتصبح الأزمة الداخلية مدخلاً طبيعياً لتزايد التدخلات ومحاولات التأثير في شكل النظام السياسي الذي سيتشكل لاحقاً.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الحراك المتسارع الذي يحيط بالسودان اليوم. فالتحركات الدولية الأخيرة، واجتماعات أديس أبابا المتصلة بالأزمة السودانية، والاهتمام الأمريكي المتزايد، والحضور الأوروبي المرتبط بأمن البحر الأحمر، والحسابات المصرية المتصلة بأمن حدودها الجنوبية، والتحركات الخليجية المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، فضلاً عن أدوار بعض دول الجوار الأفريقي، كلها تعكس حقيقة واضحة، وهي أن السودان أصبح جزءاً من ترتيبات أكبر يجري إعدادها داخل إقليم كامل يعاد تشكيله تدريجياً.

وتزداد أهمية السودان الاستراتيجية إذا نظرنا إلى ما يملكه من عناصر القوة الكامنة. فالسودان يحتفظ بموقع بحري بالغ الحساسية على البحر الأحمر، ويمتلك واحدة من أكبر المساحات الزراعية القابلة للاستثمار في المنطقة، ويملك احتياطيات ضخمة من الذهب والمعادن الاستراتيجية، فضلاً عن موقعه الرابط بين أفريقيا والعالم العربي. وهذه المعطيات تجعل السودان في نظر القوى الإقليمية والدولية دولة ذات قيمة استراتيجية عالية، حتى وإن بدا المشهد الداخلي اليوم مثقلاً بالحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية.

غير أن جوهر المسألة لا يكمن في اهتمام الخارج بالسودان، لأن تنافس الدول الكبرى على مناطق النفوذ ظل جزءاً طبيعياً من حركة التاريخ السياسي، بينما تبدأ الخطورة الحقيقية عندما تتراجع قدرة الدولة الوطنية نفسها على إنتاج رؤيتها الخاصة لمستقبلها، فتتحول الأزمة الداخلية تدريجياً إلى فراغ سياسي يسمح لقوى أخرى بالانتقال من مجرد متابعة الأحداث إلى محاولة صياغة المستقبل ذاته، بحيث يبدأ الآخرون في رسم شكل السلطة المقبلة، وإعادة تعريف التوازنات الداخلية، وتحديد ملامح السودان الذي سيخرج من هذه الحرب.

ولهذا فإن الحرب التي يعيشها السودان اليوم تجاوزت منذ وقت مبكر حدود كونها معركة داخلية مرتبطة بالصراع على السلطة. فما يجري الآن يرتبط بصورة مباشرة بالسؤال الأكبر المتعلق بالموقع الذي سيشغله السودان داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل حالياً في فضاء البحر الأحمر والقرن الأفريقي والشرق الأوسط. وأصبحت القضية الأهم مرتبطة بطبيعة السودان الذي تريده القوى المختلفة التي تتحرك حول الأزمة، وما هي الوظيفة السياسية والاستراتيجية التي يراد للدولة السودانية أن تؤديها مستقبلاً.

وفي ضوء ذلك تبدو المرحلة القادمة شديدة الحساسية. فقد ينجح السودان في استعادة تماسكه الوطني وإعادة بناء مؤسساته واستعادة قراره السيادي الكامل، بما يسمح له باستعادة مكانته الطبيعية كدولة فاعلة داخل محيطها الإقليمي. وقد تنشأ تسويات سياسية تنهي الحرب شكلياً لكنها تعيد إنتاج دولة ضعيفة قابلة للتأثر المستمر بالتوازنات الخارجية. وقد يستمر الاستنزاف لفترة أطول بما يفتح الباب تدريجياً أمام إعادة تشكيل مراكز نفوذ موازية تجعل البلاد تدخل مرحلة ممتدة من الهشاشة وعدم الاستقرار.

إن السؤال الأخطر الذي يواجه السودانيين اليوم يتجاوز مسألة من سينتصر عسكرياً أو من سيتولى السلطة بعد توقف الحرب، لأن هذه الأسئلة رغم أهميتها تظل جزءاً من الصورة العامة. القضية الجوهرية ترتبط بما إذا كان السودان سيظل قادراً على إنتاج مستقبله الوطني بنفسه، أم أن طول أمد الأزمة الحالية سيدفع تدريجياً نحو انتقال عملية صناعة المستقبل من الداخل إلى الخارج.

تؤكد تجارب التاريخ أن الدول قد تنجح أحياناً في استعادة ما تخسره من أرض أو موارد أو قدرات مادية، لكن الخسارة الأكثر تعقيداً تبدأ عندما يتراجع حقها في التحكم بمسارها الوطني وتحديد مستقبلها بإرادتها الذاتية. والسودان يقف اليوم أمام اختبار من هذا النوع، حيث ترتبط الحرب الجارية بقضايا أوسع من حدود الصراع الداخلي نفسه، وتتصل بصورة مباشرة بموقع الدولة السودانية داخل ترتيبات إقليمية جديدة يجري تشكيلها تدريجياً، الأمر الذي يجعل حماية الإرادة الوطنية المستقلة وصون حق السودانيين الكامل في تقرير مستقبل دولتهم بأيديهم، القضية الأكثر حساسية في المرحلة القادمة، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول في نهاية المطاف ليس مواردها ولا حدودها الجغرافية، بل حقها السيادي في امتلاك مستقبلها قبل أن يصبح ذلك المستقبل جزءاً من إرادة الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى