المسلمي البشير الكباشي
كنت أتوقع تزايد الضغوط الغربية، الأمريكية وحلفائها، على السودان مع تزايد القدرات العسكرية للقوات المسلحة السودانية، التي استطاعت خلال الفترة الأخيرة تحقيق تقدم ميداني مهم أفضى إلى تميز استراتيجي، تمثل في السيطرة على بعض عُقد الدعم اللوجستي في شمال كردفان، باستعادة مدن وبلدات مثل بارا وجبرة الشيخ، وتوسيع العمق العملياتي للقوات المسلحة، وتحييد قدر من خطوط الإمداد التي كانت تمر عبر بعض دول الجوار.
لكنني لم أتوقع أن تبلغ ردة الفعل هذا القدر من المواجهة الحامية، وأن يتحول مجلس الأمن الدولي إلى ساحة صراع حول تعريف الدولة السودانية وإعادة تشكيلها من خارجها.
فبعد محاولات وجولات من الضغوط على الحكومة السودانية، لم تنجح في جرها إلى الموافقة على تسليم إدارة الحرب إلى الولايات المتحدة وحليفاتها، تقدمت واشنطن بمشروع قرار إلى مجلس الأمن بشأن السودان، يهدف إلى توسيع حظر السلاح والعقوبات المفروضة بموجب القرار 1591 الصادر عام 2005م ،من دارفور ليشمل السودان كله.
ومع احتدام النقاش داخل المجلس، برز انقسام واضح بين موقفين رئيسيين.
الأول، أمريكي ـ أوروبي، يدفع باتجاه تشديد حظر تدفق السلاح، وتوسيع العقوبات، والضغط على طرفي الحرب لوقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى مسار سياسي.
والثاني، وهو الموقف الروسي بصورة أساسية، تواليه الصين بدرجة أقل ،يدعو إلى وقف دعم قوات الدعم السريع، والاعتراف بالدولة والحكومة السودانية، وعدم مساواة القوات المسلحة السودانية بقوة الدعم السريع، وأن تمر المساعدات الإنسانية عبر الدولة السودانية، وصولاً إلى تسوية سياسية تحت مظلة الأمم المتحدة.
وغير روسيا والصين وجد السودان مواقف مقدرة ناصرة لحقه بعبارات جلية في كلمات مناديب السعودية وباكستان ومصر …و أوضح ما كانت في مسألتين ،الاولى : التفريق بين الدعم السريع باعتباره مليشيا متمردة والحكومة السودانية صاحبة السيادة على بلادها ..والثانية: جرائم الاعتداء على المدنيين .وهذا اصطفاف بدأ بيِّناً مع تعقيد مصالح هذه الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة مشروع القرار .
وهكذا اتسعت الفجوة بين الموقفين، وتحول الخلاف من خلاف حول صياغة قرار إلى خلاف أعمق حول طبيعة الدولة السودانية، ومن يمثلها، وكيف ينبغي التعامل مع الحرب ومؤسساتها.
ولتمرير أي قرار في مجلس الأمن، يحتاج المشروع إلى تسعة أصوات على الأقل من أعضاء المجلس الخمسة عشر، شرط ألا تستخدم أي دولة دائمة العضوية حق النقض. وهنا تحديداً تبرز روسيا، التي واجهت المشروع الأمريكي بقوة، في وقت يمكن أن يصبح فيه الموقف الصيني عاملاً حاسماً في تحديد مصير أي صيغة نهائية للقرار.
وبالنظر إلى ما جرى من مداولات ومواجهات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: تسوية أمريكية ـ روسية ـ صينية.
وفيه يجري تخفيف مشروع واشنطن والتوصل إلى صيغة وسط، ربما تتضمن حظراً جزئياً أو أكثر تقييداً للسلاح، وعقوبات محددة، مع الإبقاء على لغة سياسية تسمح لكل طرف بتفسير القرار بما يتوافق مع موقفه.
السيناريو الثاني: استمرار المواجهة وتأجيل القرار.
وفيه تدفع واشنطن ولندن وباريس باتجاه صياغة أقوى، بينما تعترض موسكو وبكين، فتنتقل المعركة من قاعة المجلس إلى الكواليس، وتستمر المفاوضات والمضاغطات إلى أن يعاد تشكيل النص بما يسمح بالتوصل إلى توافق جديد.
وربما يكون هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً، لأن مجلس الأمن، في مثل هذه القضايا، كثيراً ما يستخدم التأجيل وإعادة الصياغة لتجنب الوصول إلى مواجهة مباشرة تنتهي بالفيتو.
السيناريو الثالث: المواجهة والفيتو.
وفيه تصر الولايات المتحدة وحليفاتها على حظر شامل للسلاح وتوسيع العقوبات، بينما ترفض موسكو المشروع، وربما تنضم إليها بكين، فينتهي الأمر باستخدام الفيتو الروسي، أو الروسي ـ الصيني، وإسقاط المشروع بصيغته المطروحة.
لكن المواجهة داخل مجلس الأمن لا تجري فقط على مستوى المصالح السياسية والاستراتيجية المباشرة. ففي مثل هذه الصراعات، يمزج الدفع السياسي عادة بآلية يمكن تسميتها «الإضطرار الأخلاقي»، أي بناء ترسانة من المبررات الإنسانية تبدو أخلاقيةً لتمنح الموقف السياسي قوة إضافية، وتحاصر المعترضين داخل المجلس بمسوغات أخلاقيّة، وتستميل الرأي العام الخارجي باستدعاء الصور الأكثر تأثيراً من معاناة المدنيين.
ولهذا يصبح حضور المسؤولين الأمميين في مثل هذه الجلسات جزءاً مهماً من المشهد.
فقد حذرت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، من أنّ أطراف الحرب ما زالت عالقة في منطق عسكري صفري، ودعت إلى تحرك دولي عاجل. كما ركز توم فليتشر، مسؤول الشؤون الإنسانية، على اتساع الاحتياجات الإنسانية وانهيار القدرة على الاستجابة مع استمرار الحرب.
لكن المشكلة أن هذه الاستمالات الأخلاقوية تفقد كثيراً من قوتها السياسية عندما تُقاس بوقائع الحرب نفسها.
فالعالم، بما فيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الإنسانية والدول التي تقود مشروع القرار، سقط بالفعل في اختبار الفاشر.
كان العالم يعرف ما يجري في المدينة، ويعرف أنها محاصرة، ويعرف أن سكانها وصلوا إلى مستويات كارثية من الجوع والمعاناة، حتى اضطر بعضهم إلى أكل أعلاف الحيوانات وجلودها. واستمر الحصار فترة طويلة، قاربت السنتين ،ثم اقتحمت قوات الدعم السريع المدينة، ووقعت فيها عمليات قتل واسعة النطاق على مرأى ومسمع من العالم.
ومع ذلك لم يتحول ذلك الإدراك الدولي إلى ضغط مكافئ على القوة التي كانت تحاصر المدينة وتهاجمها.
وتكرر شيء قريب من ذلك في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حين رفعت الولايات المتحدة والأمم المتحدة ومنظمات دولية صوتها محذرةً من خطر محاصرتها، وحثت المدنيين على مغادرتها بسبب هجمات المسيّرات التي كانت تستهدفها.
لكن عندما استطاعت القوات المسلحة السودانية فك الحصار، واستعادة الطرق وتأمين خطوط الإمداد، لم نسمع المستوى نفسه من الاحتفاء الدولي بحماية المدنيين، ولا المستوى نفسه من الاعتراف بأن السيطرة على طرق الإمداد وإبعاد القوة المهاجمة عن المدينة قد أسهما في حماية المدنيين فعلياً. فضلا عن غياب الإغاثة التي تناسب حجم الحاجة .
ما وضع جلّ الجهد الاغاثي بما يفوق ال٨٠٪ على عاتق المجتمع السوداني .
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
لماذا ترتفع أصوات حماية المدنيين عندما يكون الضغط موجهاً إلى الدولة، بينما تخفت عندما تكون القوة المهاجمة هي الدعم السريع؟
وما معنى حماية المدنيين عندما تُستهدف مقومات حياتهم نفسها؟
لقد تعرضت منظومات الكهرباء، من مصادرها في السدود ومحطات الإنتاج الحراري إلى المحولات وخطوط النقل، لنهب وهجمات واسعة، كما تعرضت مصادر المياه والمستشفيات والبنية التحتية الحيوية لخدمة المدنيين لأضرار بالغة بمسيرات الدعم السريع .
ومع ذلك لم نرَ دائماً المستوى نفسه من الإدانة السياسية أو العقوبات أو توصيف الجهة التي تنفذ هذه الهجمات بوصفها تهديداً ممنهجاً للحياة المدنية.
المشهد في مجلس الأمن الدولي بالأمس ينقل صورة واضحة لأهداف الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات في السودان. فمشروع القرار، إن قُدّر له المضي إلى نهاياته، يحقق قدراً عالياً من الفوضى، من خلال الحيلولة دون الحسم العسكري، أما إن لم يبلغ مشروع القرار مقصده فإنّ خشية مقدميه أن يكون البديل هو انتصار الجيش السوداني الذي قد تنتج عنه دولة سودانية مركزية قوية، مستقلة في خياراتها الإقليمية والدولية، وذات توجه استراتيجي لا تستسيغه واشنطن وحليفاتها.
ويبدو أن واشنطن لاحظت تزايد قدرات الجيش السوداني، واقترابه من تحويل تفوقه العسكري إلى تفوق استراتيجي.
ومن يتأمل مسار العلاقات الأمريكية ـ السودانية خلال العقود الماضية، إذا أراد أن يستخلص منه حكمة، فسيدرك أن الولايات المتحدة تسعى دائماً إلى هدف واضح: هندسة دولة في السودان لها علمٌ وحكومة، لكنها لا تحتكر سلاحها، تصنيعاً أو مبادلةً مع الآخرين، ولا تسيطر على مواردها.
فحتى عندما اكتشفت شركة شيفرون النفط في السودان في سبعينيات القرن الماضي، أُغلقت الآبار بالخرسانة المسلحة، باعتبار أن النفط يمثل مخزوناً استراتيجياً لها يُدّخر إلى حين الحاجة.
هي تريد للسودانيين دولة لا تملك قرارها الأمني في أطرافها، وتصبح حدودها ومواردها وموانئها موضوعات لتوازنات خارجية. وليس هناك ما يمنع أن يظل السودان عضواً في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية، وله حدود معترف بها، وإن ظلت تُحرَّكُ النزاعات بشأنها كجزء من آليات التحكم، وله مقعد وتمثيل دبلوماسي، وربما مؤسسات قانونية وشكل دستوري؛ لكنه يفتقد المحتوى الفعلي للسيادة.
ولهذا يبدو طبيعياً المساواة بين الجيش الوطني والدعم السريع، فلا يُنظر إليهما إلا باعتبارهما طرفين متحاربين متساويين في الطبيعة السياسية والوضع القانوني. فالدعم السريع، في نظر الولايات المتحدة وحليفاتها وظلالها الإقليمية، ليس قوة مسلحة متمردة خرجت على البنية الدستورية للدولة وحاربت مؤسساتها، وإنما أحد طرفي نزاع، وبذلك تتحول الدولة من صاحبة السيادة إلى أحد أطراف النزاع.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن الدعم السريع يسيطر على أجزاء واسعة من السودان فحسب، وإنما في أن مفهوم الدولة السودانية نفسه يصبح قابلاً للتجزئة دون الحاجة إلى تقسيم، أو بالأدق، دون الحاجة إلى تقسيم قانوني.
وهذا الوضع أكثر مواءمة لإدارة البلاد؛ إذ تصبح هناك دولة ذات شرعية قانونية، لكنها محكومة بتعدد مراكز القوة داخلياً، وتوزيع النفوذ والسيطرة خارجياً، بصورة تحقق طموحات النفوذ الإقليمية والدولية. وهو وضع يقترب من مفهوم «خصخصة السيادة»، من خلال توزيع وظائفها.
ولكن الأهم من كل ذلك هو الإجابة عن سؤال مدى تمام وعي الشعب السوداني بما يُراد له، ومدى استخلاص قيادته الوطنية، السياسية والعسكرية، للدرس المناسب، والتفرغ لمواجهة تحديات بقاء بلادها، بدلاً من تبديد وقتها وطاقتها في محاولة استمالة عدو يواصل الكيد لوطنها دون كلل، بينما تتباطأ في مصافحة يد الأصدقاء الممدودة إليها بصبر كبير.