السفير.د.معاوية البخاري
في السودان، لا تجري الحرب في الميدان وحده. فخلف أصوات المدافع تدور معركة أخرى على الرواية، وعلى تعريف الأزمة، وعلى من يملك حق تحديد المسؤوليات ورسم حدود الحل. وبينما ينتظر السودان تجديد ولاية فريق الخبراء المعني بالعقوبات ومراقة شبكات السلاح والتمويل والرعاية، تتجدد الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، وتتسع النقاشات حول مستقبل الرقابة الدولية والعقوبات والضغوط السياسية.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل كل تقرير أو قرار: هل ما زال التدويل يؤدي وظيفته الأصلية في حماية السودان وإنهاء الحرب، أم أن بعض آلياته تحوّل، بمرور الزمن، إلى جزء من منظومة إدارة الأزمة وإطالة أمدها؟
ليس في هذا السؤال دعوة إلى رفض التحقيق، أو إنكار الانتهاكات، أو إغلاق أبواب السودان أمام المجتمع الدولي. بل هو دعوة إلى التمييز بين التدويل بوصفه وسيلة للحماية والمساءلة، والتدويل حين يتحول إلى غاية قائمة بذاتها. فالسودان يحتاج إلى رقابة عادلة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى سلام ينهي الحاجة إلى الرقابة المفتوحة والضغوط الممتدة والعقوبات الدولية والثنائيّة المتنوعة.
من آلية مؤقتة إلى واقع دائم
دخل فريق الخبراء المعني بالسودان عامه الثاني والعشرين منذ إنشاء آليته في مارس 2005. وهذه المدة الطويلة لا تعني، في حد ذاتها، أن وجوده لم يعد ضرورياً؛ فالانتهاكات مستمرة، ومصادر تمويل الحرب لم تُجفف، والتهديدات التي تستهدف المدنيين لم تنتهِ. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن طبيعة العلاقة بين استمرار الآلية واستمرار الأزمة في غياب النتائج واستمرار الابتزاز.
فالرقابة الدولية يفترض أن تكون وسيلة لتقليص مساحة الإفلات من العقاب، وتجفيف مصادر السلاح والتمويل، ودعم الاستقرار. غير أن استمرارها لعقود، من دون أن يقترن بمسار واضح لإنهاء الحرب، او تحقيق مقاصد التفويض يفرض على المجتمع الدولي نفسه أن يسأل: ما الذي حققته هذه الآلية، وما الذي أخفقت في تحقيقه، وما الذي ينبغي تغييره!؟
إن بقاء السودان في دائرة التقارير والعقوبات والتمديدات وصناعة الأزمات لأجلها،لا ينبغي أن يصبح أمراً اعتيادياً. فالدولة التي تعيش تحت رقابة استثنائية زمناً طويلاً قد تجد نفسها أمام وضع تتراجع فيه مساحة المبادرة الوطنية، بينما تتسع مساحة التدخل الخارجي، لا لأن الحل مستحيل، بل لأن الأزمة أصبحت قابلة للإدارة دوليا أكثر من كونها قابلة للإنهاء الداخلي.
حين يصبح حظر السلاح جزءاً من المشكلة
لا خلاف على أن تدفق السلاح إلى السودان يطيل الحرب ويزيد معاناة المدنيين. لكن حظر السلاح ليس سياسة سلام مكتملة. ولا مساواة الجيش بالتمرد امراً عابرا، فنجاحه لا يقاس بعدد القيود التي تُفرض، وإنما بقدرته على وقف تدفق السلاح، وتجفيف شبكات التمويل، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لإنهاء القتال وتثبيت الاستقرار.
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية: هل تُطبَّق القيود على مصادر الحرب الفعلية، أم تتحول إلى عبء إضافي على الدولة التي يفترض أن تحمي مواطنيها وتحقق أمنها القومي؟
إن توسيع نطاق العقوبات والرقابة، من دون معالجة متوازنة لشبكات التمويل والتسليح الخارجية، قد يفضي إلى نتيجة عكسية: إضعاف القدرة على بسط سلطة الدولة، بينما تستمر الحرب عبر قنوات لا تخضع بالقدر نفسه للمساءلة أو التوصيف الحقيقي والعقاب. ولذلك فإن الموقف السوداني الأكثر قوة ليس المطالبة بإلغاء الرقابة، بل المطالبة بأن تكون رقابة على الحرب ومصادرها، لا على الدولة وتقييدها.
الأسلحة الكيميائية: خطورة الاتهام لا تبرر إدانة مسبقة
تظل الأسلحة الكيميائية من أخطر القضايا التي يمكن أن تُثار في أي نزاع مسلح. وأي ادعاء باستخدامها يستوجب تحقيقاً جاداً ومستقلاً، لأن المسألة تتصل بقواعد القانون الدولي الإنساني وبحماية المدنيين من أخطر صور الانتهاك.
لكن خطورة الاتهام لا تعني أن يتحول إلى حكم مسبق. كما أن رفض توظيفه سياسياً لا يبرر رفض التحقق منه. فالموقف المسؤول هو الذي يجمع بين الأمرين: لا حصانة لأحد من التحقيق، ولا إدانة لأحد قبل اكتمال الأدلة. ولكن تجربة الشفاء ظلت معيارية في هذه الوجهة ومن يقودها أممياً.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس إنكار الاتهامات، بل إخضاعها لآلية مهنية شفافة تحدد طبيعة الأدلة، ومصدرها، وسلامة سلسلة حفظها، وإمكان التحقق منها ميدانياً، وتفصل بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية. أما تحويل اتهام لم يكتمل التحقق منه إلى أداة لإدانة الدولة السودانية بأكملها او للضغط عليها وهي تعيش هذا الواقع المرير، أو إلى توضع كمبرر لعقوبات أوسع لا صلة مباشرة لها بالواقعة، فذلك يخلط بين المساءلة عن انتهاك محدد والعقاب السياسي الشامل والانتقائية السياسية.
والأهم أن التحقيق في أي انتهاك لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر: من الذي يموّل الحرب، ومن الذي يمد أطرافها بالسلاح، ومن الذي يستفيد من استمرارها؟ فالحقيقة الكاملة لا تتجزأ، ولا يجوز أن تتحول قضية واحدة إلى ستار يحجب بقية مصادر المعاناة.
حين تصبح المبادرات الدولية إدارةً للأزمة
السودان لا يفتقر إلى المبادرات، بقدر ما يفتقر إلى مبادرة قادرة على توحيد المسارات وإنهاء الحرب. فكلما طال أمد الصراع، تعددت الوسطاءات، وتداخلت الأجندات، وتعاظمت الأهداف وتراجعت قدرة السودانيين على تحديد الأولويات لتستمر حالة الهشاشة.
المشكلة ليست في كثرة المبادرات من حيث العدد، بل في أن بعضها قد يتحول إلى مسار تفاوضي منفصل عن ميزان القوى الحقيقي، أو إلى آلية لتأجيل القرارات الصعبة. وفي هذه الحالة، يصبح السلام عنواناً متكرراً، بينما تستمر الحرب بوصفها الواقع الفعلي دون أفق.
والأخطر أن استمرار الحرب يخلق اقتصاداً سياسياً دولياً للأزمة: مؤتمرات، تقارير، عقوبات، بعثات، تمويل إنساني، ومفاوضات لا تنتهي. وليس المقصود أن هذه الأدوات بلا قيمة، بل أن قيمتها يجب أن تُقاس بقدرتها على تقليل الحرب لا بإطالة عمرها المؤسسي والاستمرار في حلقة مفرغة .
المخرج: مبادرة سودانية لا تنتظر الإذن
المخرج ليس في الانعزال عن المجتمع الدولي، ولا في رفض كل آليات الرقابة، بل في استعادة المبادرة الوطنية داخل التدويل. ويمكن أن يبدأ ذلك من أربعة مسارات مترابطة:
أولاً: بناء ملف سوداني موحد للحرب
يحتاج السودان إلى مركز وطني مستقل لجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، يضم قانونيين وخبراء في التحقيقات والأدلة الرقمية والطب الشرعي، ويعمل وفق معايير مهنية قابلة للتدقيق. هذا الملف لا يكون أداة دعائية، بل مرجعية وطنية يمكن تقديمها إلى الآليات الدولية والمحاكم الوطنية المختصة.
والأهم أن يشمل الانتهاكات من جميع الأطراف، وشبكات التمويل والتسليح الخارجية، وأثر العقوبات على المدنيين. فالدولة التي تملك ملفاً موثقاً لا تكتفي بالاحتجاج على الروايات؛ بل تنافسها بالحقيقة وتردها بالبينات والأدلة .
ثانياً: تحويل العلاقة مع مجلس الأمن من رد فعل إلى تفاوض
يجب ألا يقتصر الموقف السوداني على الاعتراض على التمديد أو رفض توسيع الحظر او الالغاء الكلي. المطلوب هو تفاوض على موضوعية الأفرقة وشروط الرقابة نفسها:
• أن تكون التقارير مهنية وقابلة للتحقق، وأن تُتاح للدولة فرصة الرد على الادعاءات الجوهرية.
• أن تُفصل بين الانتهاكات الفردية والسياسات العامة.
• أن تُربط العقوبات بمعايير واضحة للمراجعة والتخفيف.
• أن تشمل الرقابة شبكات التمويل والتسليح الخارجية، لا أن تركز على الدولة وحدها.
• أن تُقاس فاعلية الولاية بقدرتها على خفض الانتهاكات وتعطيل مصادر الحرب.
• وان تضع حدا لنهاية تفويضها
فالمسألة ليست مجرد تمديد ولاية؛ بل إعادة تعريف وظيفة الولاية وصدقيتها.
ثالثاً: جعل وقف الحرب هدفاً سابقاً على إدارة الحرب
لا يمكن أن تكون الرقابة الدولية بديلاً عن التسوية السياسية. ولذلك ينبغي أن يطالب السودان بأن تكون أي مبادرة دولية أو إقليمية جزءاً من خريطة طريق واحدة، تبدأ بوقف القتال، وتضمن حماية المدنيين، وتفتح الطريق أمام ترتيبات سياسية داخلية قابلة للتنفيذ.
وفي هذا الإطار، يجب أن يكون واضحاً أن إنهاء الحرب لا يعني إلغاء الدولة، ولا تسوية وضع الجماعات المسلحة خارج مؤسساتها الشرعية. فالسلام المستدام يحتاج إلى دولة قادرة على فرض القانون، وإلى ترتيبات أمنية لا تعيد إنتاج الحرب تحت أسماء ومليشيات جديدة.
رابعاً: إعادة تعريف السيادة باعتبارها مسؤولية لا شعاراً
السيادة ليست رفض التدخل الخارجي في كل الأحوال، وليست تفويضاً مفتوحاً لأي طرف داخلي. إنها قدرة الدولة على حماية شعبها، وإدارة مواردها، وفرض القانون، والتفاوض من موقع الندية.
ومن هنا، فإن السودان يحتاج إلى إعادة استعادة السيادة كاملة وبناء مؤسسات الدولة، لا إلى الاكتفاء بالدفاع عنها خطابياً. فكلما كانت الدولة أكثر قدرة على حماية المدنيين، وتقديم الخدمات، ومحاسبة المنتهكين، تراجعت مبررات التدويل المفتوح، وأصبح المجتمع الدولي أمام شريك وطني لا أمام أزمة دائمة.
الخلاصة: السودان لا يحتاج إلى نهاية الرقابة بقدر ما يحتاج إلى نهاية الحرب
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان هو أن يصبح بلداً تُدار أزمته أكثر مما تُحل. فالحرب التي تستمر، والعقوبات التي تتوسع، والرقابة التي تمتد، والمبادرات التي تتكرر، قد تنتج وضعاً يظل فيه السودان أسير الأزمة، حتى لو تغيرت عناوينها والياتها.
لكن الطريق ليس مسدوداً. فالسودان يستطيع أن يستعيد زمام المبادرة إذا انتقل من الاحتجاج على التدويل إلى إعادة تشكيله وتقويم نهجه، ومن الدفاع عن الرواية إلى إنتاج الحقيقة، ومن انتظار المبادرات إلى صياغة مبادرة وطنية قابلة للتنفيذ والتحقق.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي: لا سلام مستداماً بلا دولة قادرة، ولا دولة قادرة بلا سيادة، ولا سيادة مكتملة بلا حقيقة ومساءلة عادلة.
فالمخرج من الهدر والابتزاز الدولي ليس في إغلاق أبواب العالم، بل في أن يدخل السودان إليها بحرم مواقفه واتساقها بملف موثق، ورؤية موحدة، ومؤسسات قادرة، وقرار وطني لا يُدار من الخارج. وعندها فقط تتحول الرقابة الدولية من قيد دائم إلى أداة مؤقتة، ويصبح وقف الحرب مشروعاً سودانياً لا مجرد عنوان في أجندة الآخرين كما تريده بعض الأوساط.
——————
٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م