إبراهيم إسماعيل
الحرب، رغم مآسيها، رفعت مستوى الوعي الوطني، ودفعت الشباب إلى استشعار مسؤوليتهم تجاه الدولة، وما كشفته حرب السودان أن الذين قاتلوا ودافعوا عن البلاد فعلوا ذلك بدافع وطني.
و ينظرون إلى بعض الأحزاب وهي تستقوي بالروافع الخارجية ضد إرادتهم كشباب سوداني. وفي ذات الوقت هذه الاحزاب تسكت في (إعلان المبادئ) عن الانتخابات، لأنها تعلم أن هؤلاء الشباب لا يصوتون لهم في الانتخابات، وهم الغالبية من نسبة عدد السكان.
وقد كشفت الحرب كذلك عن أزمة عميقة في بنية العمل الحزبي السوداني؛ فمعظم الأحزاب ظلت أسيرة للصراعات التاريخية والاستقطاب السياسي وتصفية الحسابات الشخصية،
كوز-شيوعي
بينما تراجعت قدرتها على إنتاج برامج عملية تستجيب لتحولات المجتمع وتطلعات الشباب. كما أن فشل النخب السياسية أسهم في إضعاف ثقة الشباب في الأحزاب التقليدية.
رغم وجود بعض المبادرات المهمة، مثل مشروع (إسكان الشباب) الذي طرحته حكومة الأمل للمتأثرين بالحرب، فإن السودان يحتاج إلى ما هو أكبر من المبادرات الجزئية؛ يحتاج إلى مشروع( وطني) متكامل للشباب، يعترف بتضحياتهم، ويمنحهم دورًا حقيقيًا في بناء السودان
ومن هنا تبرز الدعوة إلى قيام حزب، أو أحزاب، تقوم على مرتكزات وطنية- وفكر سوداني، تعبّر عن هذا التحول في الوعي الجمعي، وتخاطب تطلعات الشباب نحو بناء دولة مستقرة وحديثة. حزب يحمل تطلعات الشباب الذين يريدون إعادة بناء السودان على أساس الوحدة الوطنية- والتنمية المتوازنة- والعدالة والحريات العامة
وسيادة حكم القانون
كما أن هذا الحزب المنشود يمكن أن يتبنى موقفًا وطنيًا واضحًا في دعم القوات المسلحة الوطنية في أوقات الأزمات والتهديدات الوجودية التي تواجه الدولة، وأن يدافع عنها عبر المؤسسات الدستورية والبرلمان، باعتبارها إحدى ركائز حماية السيادة الوطنية ووحدة البلاد، مع التمسك في الوقت نفسه بمسار التحول الديمقراطي المدني وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى إعادة بناء الفكرة الوطنية على نحو (شامل) يستوعب روح الشباب وتحولاتهم الكبرى، ويستثمر ما أفرزته الحرب من قيم وطنية وإنسانية في بناء دولة أكثر استقرارًا وعدالة وقدرة على مواجهة المستقبل.
في ظل التدفق المعلوماتي الهائل في عصر الرقمنة، والشباب أكثر وعيًا وعلمًا ومعرفة، وأكثر قدرة على تجاوز أنماط التفكير القديمة، وطرح أسئلة جديدة حول الدولة والتنمية والعدالة والمستقبل. ولعل ما قاله سيدنا علي بن أبي طالب: «علّموا أبناءكم لزمان غير زمانكم»، تبدو اليوم أكثر حضورًا في المشهد السياسي السوداني.